الإشفاق رقَّة الخوف، وهو خوفٌ برحمةٍ من الخائف لمن يخاف عليه، فنسبته إلى الخوف نسبة الرَّأفة إلى الرحمة، فإنَّها ألطف الرحمة وأرقُّها.
ولهذا قال صاحب «المنازل» ﵀١: (الإشفاق: دوام الحَذَر مقرونًا بالترحُّم، وهو على ثلاث درجاتٍ، الأولى: إشفاق على النفس أن تجمح إلى العناد). أي: تُسرعَ وتذهبَ إلى طريق الهوى والعصيان ومعاندة العبوديَّة.
(وإشفاقٌ على العمل: أن يصير إلى الضياع).
أي: يخاف على عمله أن يكون من الأعمال التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾[الفرقان: ٢٣]، وهي الأعمال التي كانت لغير الله، وعلى غير أمره وسنَّة رسوله.
ويخاف أيضًا أن يضيع عملُه في المستقبل، إمَّا بتركه، وإمَّا بمعاصٍ٢
(١) (ص ٢١).
(٢) في النسخ عدا ل، ع: «بمعارض»، ثم أُصلح في الأصل بمسح الراء.
تُغرقه١ وتُحيط٢ به فيذهب ضائعًا، ويكون حال صاحبه كالحال التي قال الله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾[البقرة: ٢٦٦]. قال عمر ﵁ للصحابة ﵃ يومًا: فيمن ترون هذه الآية نزلت؟ فقالوا: الله أعلم، فغضب عمر ﵁ وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عبَّاس ﵄: في نفسي منها شيءٌ يا أمير المؤمنين. قال: يا ابن أخي، قُل ولا تحقرنَّ نفسك. قال ابن عبَّاس ﵄: ضربت مثلًا لعملٍ. قال عمر: أيُّ عملٍ؟ قال ابن عباس: لعملٍ. قال عمر: لرجلٍ غنيٍّ يعمل بطاعة الله، بعث٣ الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتَّى أغرق٤ أعماله٥.
قال٦: (وإشفاقٌ على الخليقة لمعرفة معاذيرها).
هذا قد يوهم نوعَ تناقضٍ، فإنَّه كيف يُشفق مع معرفة العذر؟ وليس بمتناقضٍ، فإنَّ الإشفاق ــ كما تقدَّم ــ خوف مقرون برحمةٍ، فيشفق عليهم من
(١) قراءة المطبوعات: «تفرِّقُه»، والمثتبت أقرب إلى رسم عامَّة النسخ، ويؤيده ما سيأتي في قول عمر: «... فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله».
(٢) كذا في الأصل، ش بالياء المثناة من الإحاطة. وفي ل، ج، ن بالباء الموحدة من الحبوط. وفي ع: «تُحبِطه».