ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الخشوع؛ قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ نَزَّلَ وَلَا يَكُونُوا﴾[الحديد: ١٦]. قال ابن مسعودٍ ﵁: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتَبَنا اللهُ بهذه الآية إلا أربع سنين١. وقال ابن عباس ﵄: إنَّ الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنةً من نزول القرآن٢.
والخشوع في أصل اللُّغة: الانخفاض والذلُّ والسُّكون. قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾[طه: ١٠٨]، أي: سكنت وذلَّت وخضعت. ومنه وصف الأرض بالخشوع، وهو يُبْسها وانخفاضها وعدم ارتفاعها بالريِّ والنَّبات، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾[فصلت: ٣٩].
والخشوع: قيام القلب بين يدي الرّبِّ تعالى بالخضوع والذلَّة والجمعيَّة عليه.
(١) أخرجه مسلم (٣٠٢٧).
(٢) رواه ابن أبي حاتم ــ كما في «تفسير ابن كثير» ــ بإسناد واهٍ عن ابن عباس. والمؤلف صادر عن «تفسير البغوي» (٨/ ٣٧).
وقيل: الخشوع الانقياد للحقِّ، وهذا من موجبات الخشوع، فمن علاماته أنَّ العبد إذا خولف أو رُدَّ عليه بالحقِّ استقبل ذلك بالقبول والانقياد.
وقيل: الخشوع خمود نيران الشَّهوة، وسكون دخان الصَّدر، وإشراق نور التعظيم في القلب١.
وقال الجنيد ﵀: الخشوع تذلُّل القلوب لعلَّام الغيوب٢.
وأجمع العارفون على أنّ الخشوع محلُّه القلب، وثمرته على الجوارح فهي تظهره. ورأى النبيُّ ﷺ رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه»٣.٤
ورأى بعضهم رجلًا خاشع المنكبين والبدن، فقال: يا فلان، الخشوع هاهنا وأشار إلى صدره، لا هاهنا وأشار إلى منكبيه٥.
(١) ذكره القشيري (ص ٣٧٩) عن الحكيم الترمذي.
(٢) «القشيرية» (ص ٣٧٩).
(٣) أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (١٣٠٥، ١٦٢٠) من حديث أبي هريرة. وهو حديث باطل مرفوعًا؛ في إسناده صالح بن محمد الترمذي: متَّهم ساقط، وسليمان بن عمرو النخعي: كذَّاب. وإنما يُعرف هذا موقوفًا على سعيد بن المسيب من قوله، أخرجه عبد الرزاق (٣٣٠٨، ٣٣٠٩) وابن أبي شيبة (٦٨٥٤).
(٤) تفرَّدت ع هنا بزيادة: «وقال النبيُّ ﷺ: التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ثلاث مرّاتٍ. وقال بعض العارفين: حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن».
(٥) ذكره القشيري (٣٨٠). روي نحوه عن عمر بن الخطاب في «المجالسة» للدينوري (١٦٩١)، ولكن إسناده واه.