مدارج السالكين

وقيل: الخشوع الانقياد للحقِّ، وهذا من موجبات الخشوع، فمن علاماته أنَّ العبد إذا خولف أو رُدَّ عليه بالحقِّ استقبل ذلك بالقبول والانقياد.

وقيل: الخشوع خمود نيران الشَّهوة، وسكون دخان الصَّدر، وإشراق نور التعظيم في القلب١.

وقال الجنيد ﵀: الخشوع تذلُّل القلوب لعلَّام الغيوب٢.

وأجمع العارفون على أنّ الخشوع محلُّه القلب، وثمرته على الجوارح فهي تظهره. ورأى النبيُّ ﷺ رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه»٣.٤

ورأى بعضهم رجلًا خاشع المنكبين والبدن، فقال: يا فلان، الخشوع هاهنا وأشار إلى صدره، لا هاهنا وأشار إلى منكبيه٥.

  1. (١) ذكره القشيري (ص ٣٧٩) عن الحكيم الترمذي.
  2. (٢) «القشيرية» (ص ٣٧٩).
  3. (٣) أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (١٣٠٥، ١٦٢٠) من حديث أبي هريرة. وهو حديث باطل مرفوعًا؛ في إسناده صالح بن محمد الترمذي: متَّهم ساقط، وسليمان بن عمرو النخعي: كذَّاب. وإنما يُعرف هذا موقوفًا على سعيد بن المسيب من قوله، أخرجه عبد الرزاق (٣٣٠٨، ٣٣٠٩) وابن أبي شيبة (٦٨٥٤).
  4. (٤) تفرَّدت ع هنا بزيادة: «وقال النبيُّ ﷺ: التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ثلاث مرّاتٍ. وقال بعض العارفين: حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن».
  5. (٥) ذكره القشيري (٣٨٠). روي نحوه عن عمر بن الخطاب في «المجالسة» للدينوري (١٦٩١)، ولكن إسناده واه.
194

وكان بعض الصحابة١ ﵃ يقول: أعوذ بالله من خشوع النِّفاق٢، فقيل له: وما خشوع النِّفاق؟ فقال: أن ترى الجسد خاشعًا والقلبُ غير خاشعٍ٣.٤

وقال الفضيل بن عياضٍ ﵀: كان يُكره أن يُري الرجلُ من الخشوع أكثر ممَّا في قلبه٥.

وقال حذيفة ﵁: أوَّل ما تفقدون من دينكم الخشوع٦، ويوشك

  1. (١) كُتب تحته في ع: «وهو حذيفة». كذا، وإنما روي عن أبي الدرداء كما سيأتي في تخريجه.
  2. (٢) السياق في ع: «إياكم وخشوع النفاق».
  3. (٣) أخرجه أحمد في «الزهد» (ص ١٧٦) وابن أبي شيبة (٣٦٨٦١) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦٥٦٧) عن أبي الدرداء بلفظ: «استعيذوا بالله ...» إلخ. وفي سنده انقطاع.
  4. (٤) جاء في ع هنا زيادة: «ورأى عمر بن الخطّاب رجلًا طأطأ رقبته في الصلاة، فقال: يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرِّقاب، إنَّما الخشوع في القلوب. ورأت عائشة شبابًا يمشون ويتماوتون في مِشيتهم، فقالت لأصحابها: ما هؤلاء؟ فقالوا: نسَّاك، فقالت: كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعم أشبع، وكان هو النّاسك حقًّا».
    قول عمر ذكره الغزالي في «الإحياء» (٣/ ٢٩٦) بهذا اللفظ، وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٧١) عن سفيان الثوري بلاغًا بمعناه. وأما أثر عائشة فلم أجده عنها في شيء من المصادر، إنما أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٣/ ٢٧٠) ــ ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٤/ ٢٨٨) وغيرُه ــ عن الشفاء بنت عبد الله ﵂ بمثله إلا أنه ليس فيه: «وإذا أطعم أشبع».
  5. (٥) ذكره القشيري (ص ٣٨٠).
  6. (٦) في ع زيادة: «وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ورُبَّ مصلٍّ لا خير فيه». وسيأتي تخريج الجملة الأولى من هذه الزيادة في التعليق الآتي. وأما الجملة الثانية فلم أجدها عن حذيفة، وإنما رويت عن عمر مرفوعًا بإسناد ضعيف عند الطبراني في «الصغير» (٣٨٧) والبيهقي في «الشعب» (٤٨٩٢).
195

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي