مدارج السالكين

أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعًا١.

وقال سهلٌ٢: من خشع قلبه لم يقرب منه الشّيطان.

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀٣: (الخشوع: خمود النفس وهمود الطِّباع لمتعاظَم أو مفزع).

يعني: انقباضَ النفس والطبع، وهو خمود قوى النفس عن الانبساط لمن له في القلوب عظمةٌ ومهابةٌ، أو لما يفزع منه القلب.

والحقُّ أنَّ الخشوع معنًى يلتئم من التعظيم والمحبَّة والذُّلِّ والانكسار.

قال٤: (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدرجة الأولى: التذلُّل للأمر، والاستسلام للحكم، والاتِّضاع لنظر الحقِّ).

  1. (١) أخرجه الآجري في «الشريعة» (١/ ٣٢٢ - ٣٢٣) ومن طريقه الداني في «الفتن» (٢٢٥) بنحوه، وإسناده صحيح. وأخرجه أحمد في «الزهد» (ص ٢٢٤) وابن أبي شيبة (٣٥٩٥٤) والحاكم (٤/ ٤٦٩) وغيرهم من طريق آخر عن حذيفة بلفظ: «أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة».
  2. (٢) التُّستَري، ذكره عنه القشيري (ص ٣٧٩).
  3. (٣) (ص ٢١).
  4. (٤) «المنازل» (ص ٢١ - ٢٢).
196

التذلُّل للأمر: تلقِّيه بذلَّة القبول والانقياد والامتثال، ومواطأة الظاهر الباطن، مع إظهار الضَّعف والافتقار إلى الهداية للأمر قبل الفعل، والإعانةِ عليه حال الفعل، وقبولِه بعد الفعل.

وأمَّا (الاستسلام للحكم)، فيجوز أن يريد به الحكم الدِّيني الشَّرعي، فيكون معناه عدم معارضته برأي أو شهوةٍ؛ وأن يريد به الاستسلام للحكم القدريِّ، وهو عدم تلقِّيه بالتسخُّط والكراهة والاعتراض.

والحقُّ أنَّ الخشوع: الاستسلامُ للحكمين، وهو الانقياد بالمسكنة والذُّلِّ لأمره وقضائه.

وأمَّا (الاتِّضاع لنظر الحقِّ)، فهو اتِّضاع القلب والجوارح وانكسارُها لنظر الربِّ إليها واطِّلاعِه على تفاصيل ما في القلب والجوارح. وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقولِه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ﴾ [النازعات: ٤٠]، وهو مقام الربِّ على عبده بالاطِّلاع والقدرة والرُّبوبية.

فخوفه من هذا المقام يوجب له خشوع القلب لا محالة، وكلَّما كان أشدَّ استحضارًا له كان أشدَّ خشوعًا، وإنَّما يفارق القلبَ الخشوعُ إذا غفل عن اطِّلاع الله عليه ونظره إليه.

والتأويل الثاني: أنّه مقام العبد بين يدي ربِّه عند لقائه١.

فعلى الأوَّل يكون من باب إضافة المصدر إلى الفاعل، وعلى الثاني ــ وهو أليق بالآية ــ يكون من باب إضافة المصدر إلى المخوف.

  1. (١) انظر: «زاد المسير» (٨/ ١١٩).
197

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي