مدارج السالكين

التذلُّل للأمر: تلقِّيه بذلَّة القبول والانقياد والامتثال، ومواطأة الظاهر الباطن، مع إظهار الضَّعف والافتقار إلى الهداية للأمر قبل الفعل، والإعانةِ عليه حال الفعل، وقبولِه بعد الفعل.

وأمَّا (الاستسلام للحكم)، فيجوز أن يريد به الحكم الدِّيني الشَّرعي، فيكون معناه عدم معارضته برأي أو شهوةٍ؛ وأن يريد به الاستسلام للحكم القدريِّ، وهو عدم تلقِّيه بالتسخُّط والكراهة والاعتراض.

والحقُّ أنَّ الخشوع: الاستسلامُ للحكمين، وهو الانقياد بالمسكنة والذُّلِّ لأمره وقضائه.

وأمَّا (الاتِّضاع لنظر الحقِّ)، فهو اتِّضاع القلب والجوارح وانكسارُها لنظر الربِّ إليها واطِّلاعِه على تفاصيل ما في القلب والجوارح. وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقولِه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ﴾ [النازعات: ٤٠]، وهو مقام الربِّ على عبده بالاطِّلاع والقدرة والرُّبوبية.

فخوفه من هذا المقام يوجب له خشوع القلب لا محالة، وكلَّما كان أشدَّ استحضارًا له كان أشدَّ خشوعًا، وإنَّما يفارق القلبَ الخشوعُ إذا غفل عن اطِّلاع الله عليه ونظره إليه.

والتأويل الثاني: أنّه مقام العبد بين يدي ربِّه عند لقائه١.

فعلى الأوَّل يكون من باب إضافة المصدر إلى الفاعل، وعلى الثاني ــ وهو أليق بالآية ــ يكون من باب إضافة المصدر إلى المخوف.

  1. (١) انظر: «زاد المسير» (٨/ ١١٩).
197

فصل

قال١: (الدرجة الثانية: ترقُّب آفات النفس والعمل، ورؤية فضل كلِّ ذي فضلٍ عليك، وتنسُّم نسيم الفناء).

يريد انتظارَ ظهور نقائص نفسك وعملك وعيوبهما٢ لك، فإنَّه يجعل القلب خاشعًا لا محالة، لمطالعة عيوب نفسه وأعمالها٣ ونقائصها مِن الكبر والعجب، والرِّياء، وضعف الصِّدق وقلَّة اليقين، وتشتُّت النيَّة وعدم تجرُّد الباعث من هوًى نفساني، وعدمِ إيقاع العمل على الوجه الذي ترضاه لربِّك، وغيرِ ذلك من عيوب النفس ومفسدات الأعمال.

وأمَّا (رؤية فضل كلِّ ذي فضلٍ عليك)، فهو أن تراعي حقوق النَّاس فتؤدِّيها، ولا ترى أنَّ ما فعلوه معك من حقوقك عليهم فلا تعاوضهم عليها، فإنَّ هذا من رعونات النفس وحماقاتها. ولا تطالبهم بحقوق نفسك، وتعترف بفضل ذي الفضل منهم، وتنسى فضل نفسك.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميَّة ــ قدّس الله روحه ــ يقول: العارف لا يرى له على أحدٍ حقًّا، ولا يشهد له على غيره فضلًا، فلذلك لا يعاتب، ولا يطالب، ولا يضارب٤.

  1. (١) «المنازل» (ص ٢٢).
  2. (٢) ل: «عيوبها».
  3. (٣) ع: «وأعماله».
  4. (٤) وسيأتي (٤/ ٢٨٦) قول المؤلف: «ومن علامات العارف أنه لا يطالب ولا يخاصم ولا يعاتب» دون النسبة إلى شيخ الإسلام.
198

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي