قال١: (الدرجة الثانية: ترقُّب آفات النفس والعمل، ورؤية فضل كلِّ ذي فضلٍ عليك، وتنسُّم نسيم الفناء).
يريد انتظارَ ظهور نقائص نفسك وعملك وعيوبهما٢ لك، فإنَّه يجعل القلب خاشعًا لا محالة، لمطالعة عيوب نفسه وأعمالها٣ ونقائصها مِن الكبر والعجب، والرِّياء، وضعف الصِّدق وقلَّة اليقين، وتشتُّت النيَّة وعدم تجرُّد الباعث من هوًى نفساني، وعدمِ إيقاع العمل على الوجه الذي ترضاه لربِّك، وغيرِ ذلك من عيوب النفس ومفسدات الأعمال.
وأمَّا (رؤية فضل كلِّ ذي فضلٍ عليك)، فهو أن تراعي حقوق النَّاس فتؤدِّيها، ولا ترى أنَّ ما فعلوه معك من حقوقك عليهم فلا تعاوضهم عليها، فإنَّ هذا من رعونات النفس وحماقاتها. ولا تطالبهم بحقوق نفسك، وتعترف بفضل ذي الفضل منهم، وتنسى فضل نفسك.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميَّة ــ قدّس الله روحه ــ يقول: العارف لا يرى له على أحدٍ حقًّا، ولا يشهد له على غيره فضلًا، فلذلك لا يعاتب، ولا يطالب، ولا يضارب٤.
(١) «المنازل» (ص ٢٢).
(٢) ل: «عيوبها».
(٣) ع: «وأعماله».
(٤) وسيأتي (٤/ ٢٨٦) قول المؤلف: «ومن علامات العارف أنه لا يطالب ولا يخاصم ولا يعاتب» دون النسبة إلى شيخ الإسلام.
وأمّا (تنسُّم نسيم الفناء)، فلمَّا كان الفناء عنده غايةً جعل هذه الدرجة كالنسيم لرقَّته، وعبَّر عنها بالنسيم للطف موقعه من الرُّوح وشدَّة تشبُّثها به، ولا ريب أنَّ الخشوع سببٌ موصلٌ إلى الفناء، فاضلِه ومفضولِه.
فصل
قال١: (الدرجة الثالثة: حفظ الحرمة عند المكاشفة، وتصفية الوقت من مُراياة٢ الخلق، وتجريد رؤية الفضل).
أمَّا (حفظ الحرمة عند المكاشفة)، فهو ضبط النَّفس بالذُّلِّ والانكسار عن البسط والإدلال الذي تقتضيه المكاشفة، فإنَّ المكاشفة توجب بسطًا، ويُخاف منه شطحٌ إن لم يصحبه خشوعٌ يحفظ الحرمة.
وأمّا (تصفية الوقت من مراياة الخلق) فلا يريد به أنه يصفِّي وقته عن الرِّياء، فإنّ أصحاب هذه الدرجة أجلُّ قدرًا وأعلى من ذلك. وإنما المراد أنه يُخفي أحوالَه عن الخلق جهدَه كخشوعه وذلِّه وانكساره، لئلَّا يراها الناس فيعجبَه اطِّلاعُهم عليها ورؤيتهم لها، فيَفْسُد عليه قلبُه ووقته وحاله مع الله تعالى، وكم قد اقتطع٣ في هذه المفازة من سالكٍ! والمعصوم من عصمه الله. فلا شيء أنفع للصادق من التحقُّق بالمسكنة والفاقة والذُّلِّ، وأنَّه لا شيء، وأنه ممَّن لم يصحَّ له بعدُ الإسلامُ حتَّى يدَّعي الشَّرَف.
ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيميّة ــ قدّس الله روحه ــ من ذلك