مدارج السالكين

قيل١: أمَّا الاعتداد بها في الثواب فلا يعتدُّ له منها إلا بما عَقَل فيه٢ وخشع فيه لربِّه. قال ابن عبّاسٍ ﵄: ليس لك من صلاتك إلَّا ما عقلت منها٣.

وفي «السنن» و«المسند»٤ مرفوعًا: «إنَّ العبد ليصلِّي الصلاة ولم يُكتَب له إلا نصفُها، إلا ثلثُها، إلا رُبعُها ...» حتَّى بلغ عُشرَها.

وقد علَّق الله فلاح المصلِّين بالخشوع في صلاتهم، فدلَّ على أنَّ مَن لم يخشع فيها فليس من أهل الفلاح، ولو اعتُدَّ له بها ثوابًا لكان من المفلحين.

وأمَّا الاعتداد بها في أحكام الدُّنيا وسقوط القضاء، فإن غلب عليها الخشوع وتعقُّلها اعتُدَّ بها إجماعًا، وكانت السُّنن والأذكار عقيبها جوابرَ ومكمِّلاتٍ لنقصها. وإن غلب عليه عدم الخشوع فيها وعدم تعقُّلها، فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها، فأوجبها أبو عبد الله بن حامدٍ من أصحاب أحمد٥، وأبو حامدٍ الغزاليُّ في «إحيائه»٦، لا في «وسيطه» و«بسيطه».

  1. (١) «قيل» ساقط من ع.
  2. (٢) في ع زيادة: «منها».
  3. (٣) لم أجده عن ابن عباس. وصحَّ بنحوه من قول سفيان الثوري في «حلية الأولياء» (٧/ ٦١). وفي الباب ما رواه ابن المبارك في «الزهد» (١٣٠٠) بإسناد ضعيف عن عمَّار بن ياسر أنه قال: «لا يُكتَب للرجل من صلاته ما سها عنه».
  4. (٤) «سنن أبي داود» (٧٩٦) و«السنن الكبرى» للنسائي (٦١٤، ٦١٥) و«مسند أحمد» (١٨٨٧٩، ١٨٨٩٤). وقد سبق تخريجه والكلام عليه (١/ ١٧٠).
  5. (٥) وهو قول ابن الجوزي أيضًا. انظر: «الإنصاف» (٣/ ٦٧٥).
  6. (٦) (١/ ١٥٩ - ١٦١).
202

واحتجُّوا بأنَّها صلاةٌ لا يثاب عليها، ولم يضمن له فيها الفلاح، فلم تبرأ ذمَّته منها ولم يسقط القضاء عنه كصلاة المرائي.

قالوا: ولأنَّ الخشوع والعقل روح الصلاة ومقصودها ولبُّها، فكيف يعتَدُّ بصلاةٍ فقَدَتْ روحَها ولبَّها، وبقيت صورتُها وظاهرها؟

قالوا: ولو ترك العبد واجبًا من واجباتها عمدًا لأبطلها تركه، وغايته١: أن يكون بعضًا من أبعاضها بمنزلة فوات عضوٍ من أعضاء العبد المعتَق في الكفَّارة؛ فكيف إذا عَدِمت روحَها ولبَّها ومقصودها، وصارت بمنزلة العبد الميِّت؟ فإذا لم يعتدَّ بالعبد المقطوع اليد يعتقه تقرُّبًا إلى الله تعالى في كفَّارةٍ واجبةٍ، فكيف يعتدُّ بالعبد الميِّت؟

ولهذا قال بعض السلف: الصلاة كجاريةٍ تهدى إلى ملكٍ من الملوك، فما الظّنُّ بمن يُهدي إليه جاريةً شلَّاء، أو عوراء، أو عمياء، أو مقطوعة اليد والرِّجل، أو مريضةً، أو زَمِنةً٢، أو قبيحةً، حتَّى يُهدي جاريةً ميِّتةً بلا روحٍ أو جاريةً قبيحةً؟ فهكذا الصلاة التي يُهديها العبد ويتقرَّب بها إلى ربِّه تعالى، والله طيِّبٌ لا يقبل إلّا طيِّبًا، وليس من العمل الطيِّب صلاةٌ لا روح فيها، كما أنّه ليس من العتق الطيِّب عتقُ عبدٍ لا روح فيه.

قالوا: وتعطيل القلب عن عبوديَّة الحضور والخشوع تعطيلٌ لمَلِك الأعضاء عن عبوديَّته وعزلٌ له عنها، فماذا تغني طاعة الرعيَّة وعبوديَّتُها وقد عُزِل ملِكُها وتعطَّل؟

  1. (١) ل، ج، ن: «غايتها».
  2. (٢) ش: «دميمة».
203

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي