سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤]، وليس السهو عنها تركها، وإلَّا لم يكونوا مصلِّين، وإنّما هو السهو عن واجبها، إمَّا الوقت كما قال ابن مسعودٍ وغيرُه١، وإمَّا الحضور والخشوع. والصواب أنَّه يعمُّ النوعين، فإنَّه سبحانه أثبت لهم صلاةً ووصفهم بالسهو عنها، فهو السهو عن وقتها الواجب أو إخلاصها وحضورها الواجب، ولذلك وصفهم بالرِّياء، ولو كان السهو سهوَ تركٍ لما كان هناك رياء.
قالوا: ولو قدَّرنا أنَّه السهو عن واجب الوقت فقط، فهو تنبيهٌ على التّوعُّد بالويل على سهو الإخلاص والحضور بطريق الأولى لوجوهٍ:
أحدها: أن الوقت يسقط في حال العذر وينتقل إلى بدله، والإخلاص والحضور لا يسقط بحالٍ ولا بدل له.
الثاني: أن واجب الوقت يسقط لتكميل مصلحة الحضور، فيجوز الجمع بين الصلاتين للشُّغل المانع من فعل إحداهما في وقتها بلا قلبٍ ولا حضورٍ، كالمسافر والمريض وذي الشُّغل الذي يحتاج معه إلى الجمع، كما نصَّ عليه أحمد٢ وغيره.
فبالجملة: مصلحة الإخلاص والحضور وجمعيَّة القلب على الله تعالى في الصلاة أرجح في نظر الشارع من مصلحة سائر واجباتها، فكيف يظنُّ به أنَّه يُبطلها بترك تكبيرةٍ واحدةٍ، أو اعتدالٍ في ركنٍ، أو ترك حرفٍ أو شدَّةٍ من القراءة الواجبة، أو ترك تسبيحةٍ أو قول (سمع الله لمن حمده) أو (ربَّنا ولك
الحمد) أو ذكر رسوله بالصلاة عليه، ثمَّ يصحِّحها مع فوات لبِّها ومقصودها الأعظم وروحها وسرِّها؟!
فهذا ما احتجّت به هذه الطّائفة، وهي حججٌ كما تراها قوةً وظهورًا.
قال أصحاب القول الآخر: قد ثبت عن النبيِّ ﷺ في «الصحيح»١ أنَّه قال: «إذا أذّن المؤذِّن أدبر الشّيطان له ضُراطٌ٢ حتّى لا يسمع التَّأذين، فإذا قُضي التأذين أقبل، فإذا ثوِّب بالصّلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل حتَّى يَخطِر بين المرء وبين نفسه، فيذكِّره ما لم يكن يذكر، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لِما لم يكن يذكر، حتَّى يظَلَّ٣ الرجل إنْ يدري كم صلَّى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس».
قالوا: فأمَرَه ﷺ في هذه الصَّلاة التي قد أغفله الشيطان فيها حتَّى لم يدر كم صلّى بأن يسجد سجدتي السهو، ولم يأمره بإعادتها، ولو كانت باطلةً كما زعمتم لأمره بإعادتها.
قالوا: وهذا هو السرُّ في سجدتي السهو، ترغيمًا للشَّيطان في وسوسته للعبد وكونه حال بينه وبين الحضور في الصلاة، ولهذا سمَّاهما النبيُّ ﷺ: «المرغمتين»٤، وأمر من سها بهما، ولم يفصِّل في سهوه الذي صدر عنه مُوجِب السُّجود بين القليل والكثير والغالب والمغلوب، وقال: «لكلِّ سهوٍ
(١) للبخاري (١٢٣١) ومسلم (٣٨٩/ ٨٣ - ج ١/ ٣٩٨) من حديث أبي هريرة ﵁.