مدارج السالكين

الحمد) أو ذكر رسوله بالصلاة عليه، ثمَّ يصحِّحها مع فوات لبِّها ومقصودها الأعظم وروحها وسرِّها؟!

فهذا ما احتجّت به هذه الطّائفة، وهي حججٌ كما تراها قوةً وظهورًا.

قال أصحاب القول الآخر: قد ثبت عن النبيِّ ﷺ في «الصحيح»١ أنَّه قال: «إذا أذّن المؤذِّن أدبر الشّيطان له ضُراطٌ٢ حتّى لا يسمع التَّأذين، فإذا قُضي التأذين أقبل، فإذا ثوِّب بالصّلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل حتَّى يَخطِر بين المرء وبين نفسه، فيذكِّره ما لم يكن يذكر، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لِما لم يكن يذكر، حتَّى يظَلَّ٣ الرجل إنْ يدري كم صلَّى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس».

قالوا: فأمَرَه ﷺ في هذه الصَّلاة التي قد أغفله الشيطان فيها حتَّى لم يدر كم صلّى بأن يسجد سجدتي السهو، ولم يأمره بإعادتها، ولو كانت باطلةً كما زعمتم لأمره بإعادتها.

قالوا: وهذا هو السرُّ في سجدتي السهو، ترغيمًا للشَّيطان في وسوسته للعبد وكونه حال بينه وبين الحضور في الصلاة، ولهذا سمَّاهما النبيُّ ﷺ: «المرغمتين»٤، وأمر من سها بهما، ولم يفصِّل في سهوه الذي صدر عنه مُوجِب السُّجود بين القليل والكثير والغالب والمغلوب، وقال: «لكلِّ سهوٍ

  1. (١) للبخاري (١٢٣١) ومسلم (٣٨٩/ ٨٣ - ج ١/ ٣٩٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) ع: «له حُصاص»، وهو عند مسلم في بعض الروايات.
  3. (٣) رُسم في النسخ بالضاد.
  4. (٤) سبق تخريجه (١/ ٣٥٤).
206

سجدتان»١ ولم يستثنِ من ذلك السهو الغالب مع أنَّه الغالب٢.

قالوا: ولأنَّ شرائع الإسلام على الأفعال الظاهرة، وأمَّا حقائق الإيمان الباطنة فتلك عليها شرائع الثواب والعقاب. فلله تعالى حكمان: حكمٌ في الدُّنيا على الشرائع الظاهرة وأعمال الجوارح، وحكم الآخرة٣ على الحقائق والبواطن. ولهذا كان النبيُّ ﷺ يقبل علانية المنافقين ويكل سرائرهم إلى الله، ويناكحون ويرثون ويورثون، ويعتدُّ بصلاتهم في أحكام الدُّنيا، فلا يكون حكمهم حكم تارك الصلاة، إذ قد أتوا بصورتها الظاهرة. وأحكام الثواب والعقاب ليس إلى البشر، بل إلى الله يتولَّاه في الدار الآخرة.

قالوا: فنحن في حكم شرائع الإسلام نحكم بصحة صلاة المنافق والمُرائي مع أنها تُسقط عنه العقاب ولا يحصل له الثواب، فصلاة المسلم الغافل المبتلى بالوسواس وغفلة القلب عن كمال حضوره أولى بالصحة.

نعم، لا يحصل مقصود هذه الصلاة من ثواب الله عاجلًا ولا آجلًا، فإنَّ للصلاة مزيدًا عاجلًا في القلب من قوَّة إيمانه واستنارته، وانشراحه وانفساحه، ووَجْد حلاوة العبادة والفرح والسُّرور، واللذَّة التي تحصل لمن اجتمع قلبه وهمُّه على الله وحضر قلبُه بين يديه، كما يحصل لمن قرَّبه

  1. (١) أخرجه أحمد (٢٢٤١٧) وأبو داود (١٠٣٨) وابن ماجه (١٢١٩) من حديث ثوبان، وتمامه: «بعد ما يسلِّم». وإسناده ضعيف، فيه زهير بن سالم العنسي، قال الدارقطني: حمصي منكر الحديث. ويُغني عنه حديث ابن مسعود مرفوعًا: «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين». أخرجه البخاري (٤٠١) ومسلم (٥٧٢/ ٩٤) واللفظ له.
  2. (٢) «مع أنه الغالب» ساقط من ع.
  3. (٣) م، ج، ن، ع: «حكم في الآخرة».
207

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي