الخبت في أصل اللُّغة: المكان المنخفض من الأرض. وبه فسَّر ابن عباس ﵄ وقتادة لفظ ﴿﴾ فقالا: هم المتواضعون١. وقال مجاهد: المخبت: المطمئنُّ إلى الله، قال: والخبت: المكان المطمئنُّ من الأرض. وقال الأخفش: الخاشعون. وقال إبراهيم النخعيُّ: المخلصون. وقال الكلبيُّ: هم الرّقيقة قلوبهم. وقال عمرو بن أوسٍ: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظُلِموا لم ينتصروا٢.
وهذه الأقوال تدور على معنيين: التواضع، والسُّكون إلى الله تعالى. ولذلك عدِّي بـ «إلى» تضمينًا لمعنى الطُّمأنينة والإنابة والسُّكون إلى الله.
(١) م، ش: «المتواضعين».
(٢) الأقوال السابقة كلها من «معالم التنزيل» للبغوي (٥/ ٣٨٦). والظاهر أن قوله: «والخبت: المكان المطمئنُّ من الأرض» من قول البغوي، لا من قول مجاهد. وانظر: «تفسير الطبري» (١٦/ ٥٥١).
قال صاحب «المنازل»١: (هو من أوَّل مقامات الطُّمأنينة).
يعني بمقامات الطمأنينة: السكينة، واليقين، والثِّقة بالله تعالى ونحوها. فالإخبات مقدِّمتها ومبدؤها.
قال: (وهو ورود المسافر٢ من الرُّجوع والتّردُّد).
لمَّا كان الإخبات أول مقامٍ يتخلَّص فيه السالك من التّردُّدِ الذي هو نوع شك، والرجوعِ الذي هو نوع غفلةٍ وإعراضٍ، والسالكُ مسافر إلى ربِّه سائرٌ إليه على مدى أنفاسه، لا ينتهي سيره٣ إليه ما دام نَفَسه يصحبه= شبَّه حصول الإخبات له بالماء العذب الذي يَرِده المسافر على ظمأٍ وحاجةٍ في أوَّل مناهله، فيرويه مورده ويزيل عنه خواطر تردُّده في إتمام سفره أو رجوعِه إلى وطنه لمشقَّة السّفر، فإذا ورد ذلك الماء زال عنه التّردُّد وخاطر الرجوع. كذلك السالك إذا ورد مورد الإخبات تخلَّص من التردُّد والرجوع، ونزل أوَّل منازل الطُّمأنينة لسفره٤ وجدَّ في السّير.
قال٥: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: أن تستغرق العصمةُ الشهوةَ، وتستدرك الإرادةُ الغفلةَ، ويستهوي الطلبُ السَّلوة٦).
(٢) في مطبوعة «المنازل» و«شرح القاساني» (ص ١١٦): «المأمن». والمثبت من النسخ ورد في بعض نسخ «المنازل» (كما في هامش تحقيقه)، وهو الذي شرح عليه التلمساني.