مدارج السالكين

طلبك دليلٌ على صدق الطلب. وقال آخر: لا تستوحش في طريق الحق من قلَّة السّالكين، ولا تغتَرَّ في الباطل بكثرة الهالكين.

وأمّا (الفتنة التي تقطع عليه الطريق)، فهي الواردات التي ترد على القلوب، تمنعها من مطالعة الحقِّ وقصده. فإذا تمكَّن من منزل الإخبات وصحَّة الإرادة والطلب لم يطمع فيه عارض الفتنة.

وهذه العزائم لا تصحُّ إلّا لمن أشرقت على قلبه أنوار آثار الأسماء والصِّفات، وتجلَّت عليه معانيها، وكافَحَ قلبُه حقيقة اليقين بها.

وقد قيل: من أخذ العلم من عين العلم ثبت، ومَن أخذه من جَرَيانه أخذَتْه أمواجُ الشُّبه ومالت به العبارات واختلفت عليه الأقوال.

قال١: (الدرجة الثالثة: أن يستوي عنده المدح والذمُّ، وتدوم لائمته لنفسه، ويعمى عن نقصان الخلق عن درجته).

متى٢ استقرَّت قدمُ العبد في منزلة الإخبات وتمكَّن فيها ارتفعت همَّته وعَلَتْ نفسه عن خطفات٣ المدح والذّمِّ، فلا يفرح بمدح الناس ولا يحزن لذمِّهم. هذا وصف من خرج عن حظِّ نفسه وتأهَّل للفناء في عبوديَّة ربِّه، وصار قلبه مَطْرحًا لأشعَّة أنوار الأسماء والصِّفات، وباشر حلاوةُ الإيمان واليقين قلبه.

والوقوف عند مدح الناس وذمِّهم علامة انقطاع القلب وخلوِّه من الله

  1. (١) «المنازل» (ص ٢٣).
  2. (٢) ع: «اعلم أنَّه متى».
  3. (٣) م، ش: «خطبات».
213

تعالى، وأنّه لم تباشره روحُ محبَّته ومعرفته، ولم يذق حلاوة التعلُّق به والطُّمأنينة إليه.

قوله: (وأن تدوم لائمته لنفسه) فهو أنَّ صاحب هذا المنزل لا يرضى عن نفسه، وهو مبغضٌ لها متمنٍّ لمفارقتها.

والمراد بالنَّفس١ عند القوم: ما كان معلولًا من أوصاف العبد، مذمومًا من أخلاقه وأفعاله، سواءٌ كان ذلك كسبيًّا له أو خلقيًّا؛ فهو شديد اللّائمة لها. وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]، قال سعيد بن جبيرٍ وعكرمة: تلوم على الخير والشرِّ، ولا تصبر على السرَّاء ولا على الضرَّاء.

وقال قتادة: اللوَّامة٢ الفاجرة.

وقال مجاهد: تندم على ما فات وتقول: لو فعلتُ! ولو لم أفعل!

وقال الفرَّاء: ليس من نفسٍ برَّةٍ ولا فاجرةٍ إلا وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت خيرًا قالت: هلَّا زدت! وإن عملت شرًّا قالت: ليتني لم أفعل!

وقال الحسن: هي النفس المؤمنة؛ إنَّ المؤمن واللهِ ما تراه إلَّا يلوم نفسه: ما أردت بكلامي؟ ما أردت بأكلتي٣؟ وإنَّ الفاجر يمضي قُدمًا قُدمًا ولا يحاسب نفسه ولا يعاتبها.

  1. (١) ل: «اليقين»، تحريف.
  2. (٢) في ع زيادة: «هي».
  3. (٣) ع: «بكلمة كذا ... بأكلة كذا» وبعده زيادة: «ما أردت بكذا؟ ما أردت بكذا؟». وكلُّ ذلك مخالف لما في مصدر المؤلف.
214

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي