مدارج السالكين

وقال مقاتلٌ: هي النفس الكافرة، تلوم نفسها في الآخرة على ما فرَّطت في أمر الله في الدنيا١.

والقصد: أنَّ من بذل نفسه لله بصدقٍ كره بقاءه معها، لأنَّه يريد أن يتقبَّلها من بُذلت له، لأنَّه قد قرَّبها له قربانًا. ومن قرَّب قربانًا فتُقبِّل منه ليس كمن رُدَّ عليه قربانه، فبقاء نفسه معه دليلٌ٢ أنَّه لم يتقبَّل قربانه.

وأيضًا، فإنَّه من قواعد القوم المجمَع عليها بينهم، التي اتَّفقت كلمة أوَّلهم وآخرهم ومُحقِّهم ومبطلهم عليها: أن النفس حجابٌ بين العبد وبين الله تعالى، وأنه لا يصل إلى الله تعالى حتَّى يقطع هذا الحجاب، كما قال أبو يزيدٍ ﵀: رأيت ربَّ العزَّة في المنام فقلت: يا ربِّ كيف الطريق إليك؟ فقال: خلِّ نفسك وتعال٣.

فالنفس جبل عظيم شاقٌّ في طريق السير إلى الله، وكلُّ سائرٍ فلا طريق له إلا على ذلك٤ الجبل، فلابدَّ أن ينتهي إليه٥. وأكثر السائرين منه رجعوا

  1. (١) «في الدنيا» من ع، وهو ثابت في مصدر المؤلف «معالم التنزيل»، فالأقوال السابقة كلها منه (٨/ ٢٧٩ - ٢٨٠). وأخرج الطبري (٢٣/ ٤٦٩ - ٤٧٠) منها أقوال سعيد وعكرمة وقتادة ومجاهد. وقول مقاتل بن سليمان في «تفسيره» (٣/ ٤٢١).
  2. (٢) في ع زيادة: «على».
  3. (٣) «القشيرية» (ص ٧٥٧).
  4. (٤) ع: «هذا».
  5. (٥) في ع زيادة: «ولكن منهم من هو مُشِقٌّ (كذا) عليه ومنهم من هو سهلٌ عليه، وإنّه ليسيرٌ على من يسّره الله عليه. وفي ذلك الجبل أوديةٌ وشعوبٌ، وعقباتٌ ووهودٌ، وشوكٌ وعوسجٌ، وعُلَّيقٌ وشِبْرِكٌ (كذا، والمعروف بالقاف)، ولصوصٌ يقطعون الطريق على السائرين، ولا سيَّما أهل الليل المُدلجين، فإذا لم يكن معهم عُدَد الإيمان ومصابيح اليقين تَقِد بزيت الإخبات، وإلَّا تعلَّقت بهم تلك الموانع وتشبَّثت بهم تلك القواطع وحالت بينهم وبين السَّير، فإن أكثر ...».
215

على أعقابهم لمَّا عجزوا عن قطعه واقتحام عقبته١. والشيطان على قُلَّة الجبل يحذِّر النّاس من صعوده وارتقائه ويخوِّفهم منه، فتتَّفق مشقَّة ذلك الجبل٢ وقعودُ ذلك المخوِّف على قلَّته وضعفُ عزيمة السائر ونيته، فيتولَّد من ذلك الانقطاع والرُّجوع، والمعصوم من عصمه الله.

وكلَّما رقي السائرُ في ذلك الجبل اشتدَّ به صياح القاطع وتحذيره وتخويفه، فإذا قطعه وبلغ قلَّته «فإذا المخاوف كلُّهن أمانُ»٣.

وحينئذٍ يُسْهِل٤ وتزول عنه عوارض الطريق ومشقَّةُ عِقابها، ويرى طريقًا واسعًا آمنًا، به٥ المنازلُ والمناهل، وعليه الأعلام، وفيه الإقامات، وفيه يَزَكُ الرحمن٦.

  1. (١) ع: «عقباته».
  2. (٢) ع: «مشقة الصعود».
  3. (٣) عجز بيتٍ للقاضي الفاضل البيساني، وهو:
    إذا السعادة لاحظتْك عيونُها ... نم فالمخاوف كلُّهن أمانُ
    انظر: «وفيات الأعيان» (٣/ ١٦١) و«الدر الفريد» (١٠/ ٣٠).
    وفي ع: «انقلبت تلك المخاوف كلهن أمانًا».
  4. (٤) أي: ينزل في أرض سهلة، بعد أن كان يرتقي في مكان حَزْنٍ وَعِرٍ. وفي جميع النسخ عدا الأصل، ل، ع: «يشهد»، تحريف.
  5. (٥) ع: «يفضي به إلى»، إقحام، السياق مستقيم بدونه.
  6. (٦) أي: جند الرحمن يحرسون الطريق. وفي عامّة النسخ عدا الأصل ول: «نُزُل الرحمن». والسياق في ع: «وفيه الإقامات قد أُعدَّت لركب الرحمن».
216

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي