مدارج السالكين

على أعقابهم لمَّا عجزوا عن قطعه واقتحام عقبته١. والشيطان على قُلَّة الجبل يحذِّر النّاس من صعوده وارتقائه ويخوِّفهم منه، فتتَّفق مشقَّة ذلك الجبل٢ وقعودُ ذلك المخوِّف على قلَّته وضعفُ عزيمة السائر ونيته، فيتولَّد من ذلك الانقطاع والرُّجوع، والمعصوم من عصمه الله.

وكلَّما رقي السائرُ في ذلك الجبل اشتدَّ به صياح القاطع وتحذيره وتخويفه، فإذا قطعه وبلغ قلَّته «فإذا المخاوف كلُّهن أمانُ»٣.

وحينئذٍ يُسْهِل٤ وتزول عنه عوارض الطريق ومشقَّةُ عِقابها، ويرى طريقًا واسعًا آمنًا، به٥ المنازلُ والمناهل، وعليه الأعلام، وفيه الإقامات، وفيه يَزَكُ الرحمن٦.

  1. (١) ع: «عقباته».
  2. (٢) ع: «مشقة الصعود».
  3. (٣) عجز بيتٍ للقاضي الفاضل البيساني، وهو:
    إذا السعادة لاحظتْك عيونُها ... نم فالمخاوف كلُّهن أمانُ
    انظر: «وفيات الأعيان» (٣/ ١٦١) و«الدر الفريد» (١٠/ ٣٠).
    وفي ع: «انقلبت تلك المخاوف كلهن أمانًا».
  4. (٤) أي: ينزل في أرض سهلة، بعد أن كان يرتقي في مكان حَزْنٍ وَعِرٍ. وفي جميع النسخ عدا الأصل، ل، ع: «يشهد»، تحريف.
  5. (٥) ع: «يفضي به إلى»، إقحام، السياق مستقيم بدونه.
  6. (٦) أي: جند الرحمن يحرسون الطريق. وفي عامّة النسخ عدا الأصل ول: «نُزُل الرحمن». والسياق في ع: «وفيه الإقامات قد أُعدَّت لركب الرحمن».
216

فبين العبد وبين السعادة والفلاح قوةُ عزيمةٍ، وصبرُ ساعةٍ، وشجاعةُ نفسٍ، وثباتُ قلب، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

فصل

قوله: (ويعمى عن نقصان الخلق عن درجته) يعني أنَّه وإن كان أعلى ممَّن دونه من الناقصين عن درجته، إلَّا أنَّه لاشتغاله بالله وامتلاء قلبه من محبَّته ومعرفته والإقبال عليه يشتغل عن ملاحظة حال غيره، وعن شهود النِّسبة بين حاله وأحوال الناس، ويرى اشتغاله بذلك والتفاته إليه نزولًا عن مقامه وانحطاطًا عن درجته ورجوعًا على عقبه. فإن هجم عليه ذلك بغير استدعاءٍ واختيارٍ فليُداوِه بشهود المنَّة وخوف المكر وعدم علمه بالعاقبة التي يوافي عليها. والله المستعان.

217

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي