مدارج السالكين

فصل

وقد اختلف الناس في الزُّهد هل هو ممكن في هذه الأزمنة١؟

فقال أبو حفصٍ ﵀: الزُّهد لا يكون إلا في الحلال، ولا حلال في الدُّنيا، فلا زهد٢.

وخالفه النّاس في هذا وقالوا: بل الحلال موجودٌ فيها، وفيها الحرام كثيرًا٣. وعلى تقدير أن لا يكون فيها الحلال، فهذا أَدْعى إلى الزُّهد فيها وتناولِ ما يتناوله المضطرُّ منها، كتناوله للميتة والدم ولحم الخنزير.٤

ثمّ اختلف هؤلاء في متعلَّق الزُّهد، فقالت طائفة: الزُّهد إنما هو في الحلال، لأنَّ ترك الحرام فريضة.

وقالت فرقةٌ: بل الزُّهد لا يكون إلا في الحرام، وأمَّا الحلال فنعمةٌ من الله على عبده، والله يحبُّ أن يرى أثر نعمته على عبده؛ فشُكره على نعمه،

  1. (١) في ع زيادة: «أم لا».
  2. (٢) «القشيرية» (ص ٣٣٧).
  3. (٣) كذا في النسخ، إلا أن الألف مضروب عليها في ل.
  4. (٤) وردت هنا في ع زيادة ليست في سائر النسخ، وهي: «وقال يوسف بن أسباطٍ: لو بلغني أنّ رجلًا بلغ في الزُّهد منزلة أبي ذرٍّ وأبي الدَّرداء وسلمان والمقداد وأشباههم من الصّحابة ﵃ ما قلت له زاهدًا، لأنَّ الزُّهد لا يكون إلا في الحلال المحض، والحلال المحض لا يوجد في زماننا هذا. وأمّا الحرام فإن ارتكبتَه عذَّبك الله ﷿».
    أسنده أبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٢٣٨) بنحوه. والظاهر أن هذه الزيادة ليست من المؤلف، وإلَّا لكانت بعد قول أبي حفص ولقال بعدها: «وخالفهما الناس ...».
225

والاستعانةُ بها على طاعته، واتِّخاذُها طريقًا إلى جنَّته= أفضل من الزُّهد فيها، والتخلِّي عنها، ومجانبة أسبابها.

والتحقيق: أنَّها إن شغلَتْه عن الله فالزُّهد فيها أفضل. وإن لم تَشْغَله عن الله بل كان شاكرًا لله فيها فحاله أفضل، والزُّهد فيها يَحْرُس١ القلب عن التعلُّق بها والطُّمأنينة إليها.

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀٢: (الزُّهد هو إسقاط الرغبة عن الشيء بالكلِّيّة).

يريد بالشَّيء المزهود فيه: ما سوى الله تعالى، والإسقاط عنه: إزالة٣ تعلُّق الرَّغبة به.

وقوله: (بالكلِّيّة)، أي بحيث لا يلتفت إليه ولا يتشوَّف٤ إليه.

قال٥: (وهو للعامَّة قربة، وللمريد ضرورة، وللخاصّة خشية٦).

  1. (١) كذا في الأصل مضبوطًا. وهو غير محرر في ل. في ش: «تجرُّد». وفي سائر النسخ: «تجريد».
  2. (٢) (ص ٢٣).
  3. (٣) في ع: «إزالته عن القلب وإسقاط».
  4. (٤) ع: «يتشوق».
  5. (٥) «المنازل» (ص ٢٣).
  6. (٦) هذا لفظ بعض نسخ «المنازل» (كما في هامش التحقيق)، وعليه شرحه التلمساني (ص ١٣٩، ١٤٠). ولفظ متن «المنازل» و«شرح القاساني» (ص ١٢٠، ١٢١): «خِسَّة». ولعله أقرب إلى مراد الماتن لأنه سيأتي قوله في وصف زهد الخاصة: «الدرجة الثالثة: الزهد في الزهد. وهو بثلاثة أشياء: باستحقار ما زهدت فيه ...».
226

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي