والاستعانةُ بها على طاعته، واتِّخاذُها طريقًا إلى جنَّته= أفضل من الزُّهد فيها، والتخلِّي عنها، ومجانبة أسبابها.
والتحقيق: أنَّها إن شغلَتْه عن الله فالزُّهد فيها أفضل. وإن لم تَشْغَله عن الله بل كان شاكرًا لله فيها فحاله أفضل، والزُّهد فيها يَحْرُس١ القلب عن التعلُّق بها والطُّمأنينة إليها.
فصل
قال صاحب «المنازل» ﵀٢: (الزُّهد هو إسقاط الرغبة عن الشيء بالكلِّيّة).
يريد بالشَّيء المزهود فيه: ما سوى الله تعالى، والإسقاط عنه: إزالة٣ تعلُّق الرَّغبة به.
وقوله: (بالكلِّيّة)، أي بحيث لا يلتفت إليه ولا يتشوَّف٤ إليه.
(١) كذا في الأصل مضبوطًا. وهو غير محرر في ل. في ش: «تجرُّد». وفي سائر النسخ: «تجريد».
(٢) (ص ٢٣).
(٣) في ع: «إزالته عن القلب وإسقاط».
(٤) ع: «يتشوق».
(٥) «المنازل» (ص ٢٣).
(٦) هذا لفظ بعض نسخ «المنازل» (كما في هامش التحقيق)، وعليه شرحه التلمساني (ص ١٣٩، ١٤٠). ولفظ متن «المنازل» و«شرح القاساني» (ص ١٢٠، ١٢١): «خِسَّة». ولعله أقرب إلى مراد الماتن لأنه سيأتي قوله في وصف زهد الخاصة: «الدرجة الثالثة: الزهد في الزهد. وهو بثلاثة أشياء: باستحقار ما زهدت فيه ...».
يعني: أنّ العامَّة تتقرَّب به إلى الله تعالى. والقربة: ما تقرَّب به المتقرِّبُ إلى محبوبه.
وهو ضرورةٌ للمريد لأنَّه لا يحصل له التخلِّي بما هو بصدده إلَّا بإسقاط الرغبة فيما سوى مطلوبه، فهو مضطرٌّ إلى الزهد كضرورته إلى الطعام والشراب، إذ التعلُّق بسوى مطلوبه لا يعدم منه حجابًا أو وقفةً أو نكسةً على حسب بعد ذلك الشيء من مطلوبه، وقوَّةِ تعلُّقه به وضعفه.
وإنّما كان خشيةً للخاصَّة لأنَّهم يخافون على ما حصل لهم من القرب والأنس بالله وقرَّةِ عيونهم به أن يتكدَّر عليهم صفوُه بالتفاتهم إلى ما سوى الله تعالى، فزهدهم خشيةٌ وخوف.
قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: الزُّهد في الشُّبهة بعد ترك الحرام، بالحذر من المَعتبة، والأنفة من المنقصة، وكراهة مشاركة الفسّاق).
أمَّا الزهد في الشُّبهة فهو ترك ما يشتبه على العبد هل هو حلالٌ أو حرامٌ؟ كما في حديث النُّعمان بن بشيرٍ عن النبيِّ ﷺ: «الحلال بيِّنٌ والحرام بيِّن، وبين ذلك أمورٌ متشابهات٢ لا يعلمهنَّ كثيرٌ من النَّاس، فمن اتَّقى الشُّبهات اتَّقى الحرام، ومن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإنَّ لكلِّ ملكٍ حمى، ألا وإنَّ حمى الله