مدارج السالكين

يعني: أنّ العامَّة تتقرَّب به إلى الله تعالى. والقربة: ما تقرَّب به المتقرِّبُ إلى محبوبه.

وهو ضرورةٌ للمريد لأنَّه لا يحصل له التخلِّي بما هو بصدده إلَّا بإسقاط الرغبة فيما سوى مطلوبه، فهو مضطرٌّ إلى الزهد كضرورته إلى الطعام والشراب، إذ التعلُّق بسوى مطلوبه لا يعدم منه حجابًا أو وقفةً أو نكسةً على حسب بعد ذلك الشيء من مطلوبه، وقوَّةِ تعلُّقه به وضعفه.

وإنّما كان خشيةً للخاصَّة لأنَّهم يخافون على ما حصل لهم من القرب والأنس بالله وقرَّةِ عيونهم به أن يتكدَّر عليهم صفوُه بالتفاتهم إلى ما سوى الله تعالى، فزهدهم خشيةٌ وخوف.

قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: الزُّهد في الشُّبهة بعد ترك الحرام، بالحذر من المَعتبة، والأنفة من المنقصة، وكراهة مشاركة الفسّاق).

أمَّا الزهد في الشُّبهة فهو ترك ما يشتبه على العبد هل هو حلالٌ أو حرامٌ؟ كما في حديث النُّعمان بن بشيرٍ عن النبيِّ ﷺ: «الحلال بيِّنٌ والحرام بيِّن، وبين ذلك أمورٌ متشابهات٢ لا يعلمهنَّ كثيرٌ من النَّاس، فمن اتَّقى الشُّبهات اتَّقى الحرام، ومن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإنَّ لكلِّ ملكٍ حمى، ألا وإنَّ حمى الله

  1. (١) «المنازل» (ص ٢٣).
  2. (٢) ع: «مشتبهات»، وهو لفظ أكثر الروايات.
227

محارمه. ألا وإنَّ في الجسد مضغةً إذا صَلَحت صَلَح لها سائرُ الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب»١.

فالشُّبهات برزخٌ بين الحلال والحرام. وقد جعل الله بين كلِّ متباينين برزخًا، كما جعل الموت وما بعده برزخًا بين الدُّنيا والآخرة، وجعل المعاصي برزخًا بين الإيمان والكفر، وجعل الأعراف برزخًا بين الجنَّة والنار.

وكذلك جعل بين كلِّ مشعرَين من مشاعر المناسك برزخًا حاجزًا بينهما ليس من هذا ولا من هذا، فمحسِّرٌ برزخٌ بين منًى ومزدلفة، ليس من واحدٍ منهما، فلا يبيت به الحاجُّ ليلة جمعٍ ولا ليالي منًى. وبطن عرنة برزخٌ بين عرفة وبين الحرم، فليس من الحرم ولا من عرفة.

وكذلك ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس برزخ بين الليل والنهار، فليس من اللَّيل لتصرُّمه بطلوع الفجر، ولا من النهار لأنه من طلوع الشمس، وإن دخل في اسم اليوم شرعًا.

وكذلك منازل السير، بين كلِّ منزلتين منها٢ برزخٌ يعرفه السائر في تلك المنازل. وكثيرٌ من الأحوال والواردات تكون برازخ، فيظنُّها صاحبها غايةً، وهذا٣ لم يتخلَّص منه إلا فقهاءُ الطريقِ والعلماءُ٤ الأدلَّةُ فيها.

  1. (١) أخرجه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) بنحوه.
  2. (٢) جميع النسخ عدا ج: «منهما»، خطأ.
  3. (٣) ع: «لهذا».
  4. (٤) ع: «وعلماء وهم».
228

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي