مدارج السالكين

محارمه. ألا وإنَّ في الجسد مضغةً إذا صَلَحت صَلَح لها سائرُ الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب»١.

فالشُّبهات برزخٌ بين الحلال والحرام. وقد جعل الله بين كلِّ متباينين برزخًا، كما جعل الموت وما بعده برزخًا بين الدُّنيا والآخرة، وجعل المعاصي برزخًا بين الإيمان والكفر، وجعل الأعراف برزخًا بين الجنَّة والنار.

وكذلك جعل بين كلِّ مشعرَين من مشاعر المناسك برزخًا حاجزًا بينهما ليس من هذا ولا من هذا، فمحسِّرٌ برزخٌ بين منًى ومزدلفة، ليس من واحدٍ منهما، فلا يبيت به الحاجُّ ليلة جمعٍ ولا ليالي منًى. وبطن عرنة برزخٌ بين عرفة وبين الحرم، فليس من الحرم ولا من عرفة.

وكذلك ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس برزخ بين الليل والنهار، فليس من اللَّيل لتصرُّمه بطلوع الفجر، ولا من النهار لأنه من طلوع الشمس، وإن دخل في اسم اليوم شرعًا.

وكذلك منازل السير، بين كلِّ منزلتين منها٢ برزخٌ يعرفه السائر في تلك المنازل. وكثيرٌ من الأحوال والواردات تكون برازخ، فيظنُّها صاحبها غايةً، وهذا٣ لم يتخلَّص منه إلا فقهاءُ الطريقِ والعلماءُ٤ الأدلَّةُ فيها.

  1. (١) أخرجه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) بنحوه.
  2. (٢) جميع النسخ عدا ج: «منهما»، خطأ.
  3. (٣) ع: «لهذا».
  4. (٤) ع: «وعلماء وهم».
228

وقوله: (بعد ترك الحرام) أي: تركُ الشبهة لا يكون إلَّا بعد ترك الحرام.

قوله: (بالحذر من المعتبة) يعني: أن يكون سبب تركه للشُّبهة الحذر من توجُّه عتب الله عليه.

وقوله: (والأنفة من النقيصة) أي: يأنف لنفسه مِن نقصه عند ربِّه وسقوطه من عينه، إلا أن أنفتَه من نقصه عند النَّاس وسقوطِه من عيونهم ــ وإن كان ذلك ليس مذمومًا ــ محمودٌ أيضًا١، ولكنَّ المذموم أن تكون أنفته كلُّها من ذلك٢.

وقوله: (وكراهة مشاركة الفسَّاق) يعني: أنَّ الفسَّاق يزدحمون على مواضع الرغبة في الدُّنيا، ولتلك المواقف٣ كظيظٌ من الزِّحام، فالزاهد يأنف من مشاركتهم في تلك المواقف ويرفع نفسه عنها لخسَّة شركائه فيها، كما قيل لبعضهم: ما الذي زهَّدك في الدُّنيا؟ قال: قلَّةُ وفائها، وكثرة جفائها، وخسَّة شركائها٤.

  1. (١) السياق في ج، ن: «لا أنفة نقصِه عند النَّاس وسقوطِه من عيونهم، وإن كان ذلك ليس مذمومًا بل محمودًا أيضًا». وفي ع: «لا أن أنفته من نقصه ...» إلخ بمثل سياقهما.
  2. (٢) ع: «من الناس»، ثم زيادة: «ولا يأنف من الله».
  3. (٣) في ع زيادة: «بهم».
  4. (٤) ورد في ع هنا الأبيات التالية:
    إذا لم أترك المال اتِّقاءً ... تركت لخسَّة الشُّركاء فيه
    إذا وقع الذُّباب على طعامٍ ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه
    وتجتنب الأُسُود ورود ماءٍ ... إذا كان الكلاب يَلِغن فيه
    قد ذكر المؤلف الأبيات الثلاثة في «عدة الصابرين» (ص ٩٩ - ١٠٠) مع بعض الاختلاف.
229

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي