وقوله: (بعد ترك الحرام) أي: تركُ الشبهة لا يكون إلَّا بعد ترك الحرام.
قوله: (بالحذر من المعتبة) يعني: أن يكون سبب تركه للشُّبهة الحذر من توجُّه عتب الله عليه.
وقوله: (والأنفة من النقيصة) أي: يأنف لنفسه مِن نقصه عند ربِّه وسقوطه من عينه، إلا أن أنفتَه من نقصه عند النَّاس وسقوطِه من عيونهم ــ وإن كان ذلك ليس مذمومًا ــ محمودٌ أيضًا١، ولكنَّ المذموم أن تكون أنفته كلُّها من ذلك٢.
وقوله: (وكراهة مشاركة الفسَّاق) يعني: أنَّ الفسَّاق يزدحمون على مواضع الرغبة في الدُّنيا، ولتلك المواقف٣ كظيظٌ من الزِّحام، فالزاهد يأنف من مشاركتهم في تلك المواقف ويرفع نفسه عنها لخسَّة شركائه فيها، كما قيل لبعضهم: ما الذي زهَّدك في الدُّنيا؟ قال: قلَّةُ وفائها، وكثرة جفائها، وخسَّة شركائها٤.
(١) السياق في ج، ن: «لا أنفة نقصِه عند النَّاس وسقوطِه من عيونهم، وإن كان ذلك ليس مذمومًا بل محمودًا أيضًا». وفي ع: «لا أن أنفته من نقصه ...» إلخ بمثل سياقهما.
(٢) ع: «من الناس»، ثم زيادة: «ولا يأنف من الله».
(٣) في ع زيادة: «بهم».
(٤) ورد في ع هنا الأبيات التالية: إذا لم أترك المال اتِّقاءً ... تركت لخسَّة الشُّركاء فيه إذا وقع الذُّباب على طعامٍ ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه وتجتنب الأُسُود ورود ماءٍ ... إذا كان الكلاب يَلِغن فيه قد ذكر المؤلف الأبيات الثلاثة في «عدة الصابرين» (ص ٩٩ - ١٠٠) مع بعض الاختلاف.
قال١: (الدرجة الثانية: الزُّهد في الفضول، وهو ما زاد على المُسكة والبلاغ من القوت، باغتنام التّفرُّغ إلى عمارة الوقت، وحسم الجأش، والتحلِّي بحلية الأنبياء والصدِّيقين).
والفضول: ما يفضل عن قدر الحاجة. والمُسكة: ما يمسك النَّفْسَ من القوت والشراب واللِّباس والمسكن والمنكح إذا احتاج إليه. والبلاغ: هو البُلغة من ذلك الذي يتبلَّغ به في منازل السفر، كزاد المسافر. فيزهد فيما وراء ذلك اغتنامًا لتفرُّغه لعمارة وقته.
ولمَّا كان الزُّهد لأهل الدرجة الأولى خوفًا من المعتبة وحذرًا من المنقصة كان الزُّهد لأهل هذه الدرجة أعلى وأرفع. وهو اغتنام الفراغ لعمارة أوقاتهم مع الله تعالى، لأنّه إذا اشتغل بفضول الدُّنيا فاته نصيبه من انتهاز فرصة الوقت؛ فالوقت سيفٌ إن لم تقطعه٢ قطعك.
و(عمارة الوقت): الاشتغال في جميع آنائه٣ بما يقرِّب إلى الله تعالى، أو يعين على ذلك من مأكلٍ أو مشربٍ أو منكحٍ أو منامٍ أو راحة، فإنَّه متى أخذها بنيَّة القوَّة على ما يحبُّه الله وتجنُّبِ ما يسخطه كانت من عمارة الوقت وإن كان له فيها أتمُّ لذَّة؛ فلا تحسَبْ عمارةَ الوقت بهجر اللذَّات والطيِّبات.
فالمحبُّ الصادق ربَّما كان سيره القلبيُّ في حال أكله وشربه وجماع أهله وراحته أقوى من سيره البدني في بعض الأحيان. ولقد حكي عن بعضهم