مدارج السالكين

أنّه كان يَرِد عليه وهو على بطن امرأته حالٌ لا يعهدها في غيرها. ولهذا سببٌ صحيح، وهو اجتماع قوى النفس وعدمُ التفاتها حينئذٍ إلى شيءٍ، مع ما يحصل لها من السُّرور والفرح واللذة، والسُّرورُ يذكِّر بالسُّرور، واللذَّة تذكِّر باللّذّة، فتنهض الرُّوح من تلك الفرحة واللذَّة إلى ما لا نسبة بينها وبينها بتلك الجمعيَّة والقوَّة والنشاط وقطعِ أسباب الالتفات، فيورثه ذلك حالًا عجيبةً.

ولا تعجل بالإنكار، وانظر إلى قلبك عند هجوم أعظم محبوبٍ له عليه في هذه الحال، كيف تراه؟ فهكذا حال غيرك. ولا ريب أنَّ النفس إذا نالت حظًّا صالحًا من الدُّنيا قويت به وسرَّت، واستجمعت قواها وجمعيَّتها، وزال تشتُّتها.

اللهم غَفرًا، فقد طغى القلم وزاد الكلم، فعياذًا بك١ من مقتك.

وأمَّا (حسم الجأش)، فهو٢ اضطراب القلب بالتعلُّق بأسباب الدُّنيا رغبةً ورهبةً وحبًّا وبغضًا وسعيًا، فلا يصحُّ الزهدُ للعبد حتَّى يقطع هذا الاضطراب من قلبه بأن لا يلتفت إليها، ولا يتعلَّق بها في حالتَي مباشرته لها وتركه، فإنَّ الزُّهد زهد القلب لا زهدُ الترك من اليد، فهو تخلِّي القلب عنها لا خلوُّ اليد منها.

وأمَّا (التحلِّي بحلية الأنبياء والصدِّيقين)، فإنَّهم أهل الزهد في الدُّنيا حقًّا، إذ هم مشمِّرون إلى عَلَمٍ قد رفع لهم غيرُها فهم فيها زاهدون، وإن كانوا لها مباشرين.

  1. (١) في ع زيادة: «اللهم».
  2. (٢) في ع زيادة: «قطع».
231

فصل

قال١: (الدرجة الثالثة: الزُّهد في الزُّهد. وهو بثلاثة أشياء: باستحقار ما زهدتَ فيه، واستواء الحالات فيه عندك، والذهاب عن شهود الاكتساب ناظرًا إلى وادي الحقائق).

قد فسَّر الشيخ مراده بالزُّهد في الزُّهد بثلاثة أشياء:

أحدها: احتقاره ما زهد فيه، فإنَّ من امتلأ قلبه بمحبَّة الله وتعظيمه لا يرى٢ أنَّ ما تركه لأجله من الدُّنيا يستحقُّ أن يُجعل قربانًا، لأنَّ الدُّنيا بحذافيرها لا تساوي عند الله جناحَ بعوضة، فالعارف لا يرى زهدَه فيها كبيرَ أمرٍ يعتدُّ به ويحتفل به، فيستحيي مَن صحَّ له الزُّهد أن يَجعل لِما تركه اللهُ٣ قدرًا يلاحظ زُهدَه فيه، بل يفنى عن زهده فيه كما فني عنه، ويستحيي من ذكره بلسانه وشهوده بقلبه.

وأمَّا (استواء الحالات فيه عنده)، فهو أن يرى أنَّ ترك ما زهد فيه وأَخْذَه متساويان عنده. إذ ليس له عنده قدر. وهذا من دقائق فقه الزُّهد، فيكون زاهدًا في حال أخذه، كما هو زاهدٌ في حال تركه، إذ همَّته أعلى من ملاحظته أخذًا وتركًا لِصغره في عينه.

وأمَّا (الذهاب عن شهود الاكتساب)، فمعناه أنَّ من استصغر الدُّنيا بقلبه

  1. (١) «المنازل» (ص ٢٤).
  2. (٢) «لا يرى» ساقط من ع.
  3. (٣) ش، ج، ن، ع: «للهِ»، أي ما تركه العبدُ لله. وعلى المثبت يكون المعنى: ما وضعه الله ونبذه بحيث لا يساوي عنده شيئًا.
232

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي