مدارج السالكين

واستوت الحالات في أخذها وتركها عنده لم يَرَ أنَّه اكتسب بتركها عند الله درجةً البتَّة، لأنها أصغر في عينه من أن يرى أنَّه اكتسب بتركها الدرجات.

وفيه معنًى آخر: وهو أن يشاهد تفرُّد الله ﷿ بالعطاء والمنع، فلا يرى أنه ترك شيئًا ولا أخذ شيئًا، بل اللهُ وحده هو المعطي المانع، فما أخذه فهو مَجرًى لعطاء الله إيَّاه كمجرى الماء في النهر، وما تركه لله فاللهُ هو الذي منعه منه، فيذهب بمشاهدة الفعَّال وحده عن شهود كسبه وتركه، فإذا نظر الأشياء بعين الجمع وسلك في وادي الحقيقة غاب عن شهود اكتسابه، وهو معنى قوله: (ناظرًا إلى وادي الحقائق). وهذا أليق المعنيين بكلامه.

فهذا زهد الخاصَّة. قال الشاعر١:

إذا زهَّدَتْني في الهوى خشية الرَّدىجَلَتْ ليَ عن وجهٍ يزهِّد في الزُّهد
  1. (١) البيت لأبي تمام في «ديوانه مع شرح التبريزي» (٢/ ٦٢).
233

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الورع.

قال الله تعالى١: ﴿فَكَبِّرْ ٣﴾ [المدثر: ٤]، قال مجاهدٌ وقتادة: نفسك فطهِّر من الذنب. فكنى عن النفس بالثوب. وهذا قول إبراهيم، والضحَّاك، والشعبي، والزُّهري، والمحقِّقين من أهل التفسير.

قال ابن عبَّاسٍ ﵄: لا تلبسها على معصيةٍ ولا غدرٍ، ثمَّ قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي:

وإنِّي بحمد الله لا ثوبَ غادرٍلبست ولا من غدرةٍ أتقنَّعُ

والعرب تقول في وصف الرجل بالصِّدق والوفاء: طاهر الثِّياب، وتقول للغادر والفاجر: دنس الثِّياب.

وقال أبيُّ بن كعبٍ ﵁: لا تلبسها على غدرٍ ولا ظلمٍ ولا إثم، البسها وأنت برٌّ طاهر.

وقال الضحَّاك: عملَك فأصلح. قال السُّدِّي: يقال للرجل إذا كان صالحًا: إنه لطاهر الثِّياب، وإذا كان فاجرًا: إنه لخبيث الثِّياب.

وقال سعيد بن جبيرٍ: وقلبك ونيتك فطهِّر. وقال الحسن والقرظيُّ: وخُلُقَك فحسِّن.

وقال ابن سيرين وابن زيدٍ: أمر بتطهير الثِّياب من النجاسات التي لا

  1. (١) في ع زيادة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١].
234

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي