وقال بعض الصَّحابة ﵃: كنَّا ندع سبعين بابًا من الحلال مخافةَ أن نقع في بابٍ من الحرام١.
فصل
قال صاحب «المنازل» ﵀٢: (الورع توقٍّ مستقصًى على حذر أو تحرُّجٌ على تعظيمٍ).
يعني: أن يتوقَّى الحرام والشُّبه وما يخاف أن يضرَّه أقصى ما يمكنه من التوقِّي. والتوقِّي والحذر متقاربان، إلَّا أنَّ التوقِّي فعل الجوارح، والحذر فعل القلب، فقد يتوقَّى العبد الشيء لا على وجه الحذر والخوف، ولكن لأمورٍ أخرى من إظهار نزاهةٍ وعزَّةٍ وتصوُّن أو أغراضٍ أُخَر، كتوقِّي الذين لا يؤمنون بمعادٍ ولا جنةٍ ولا نارٍ ما يتوقَّونه من الفواحش والدناءات تصوُّنًا عنها، ورغبةً بنفوسهم عن مواقعتها، وطلبًا للمحمدة، ونحو ذلك.
(١) نسبه في «قوت القلوب» (٢/ ٢٩٦) و«القشيرية» (ص ٣٢٥) إلى أبي بكر ﵁، ولم أجده مسندًا إليه.
(٢) (ص ٢٤).
وقوله: (أو تحرُّج على تعظيم) يعني أنَّ الباعث على الورع عن المحارم والشُّبه إمَّا حذرَ حلولِ الوعيد، وإمَّا تعظيمَ الرّبِّ ــ ﷻ ــ وإجلالًا١ له أن يتعرَّض لما نهى عنه، فالورع٢ عن المعصية إمَّا لخوفٍ أو تعظيم.
واكتفى بذكر التعظيم عن ذكر الحبِّ الباعثِ على ترك معصية المحبوب، لأنه لا يكون إلا مع تعظيمه، وإلَّا فلو خلا القلبُ من تعظيمه لم تستلزم محبَّتُه تركَ مخالفته، كمحبَّة الإنسان ولدَه وعبده وأمته، فإذا قارنه التعظيمُ أوجب ترك المخالفة.
قال٣: (وهو آخر مقام الزُّهد للعامَّة، وأوّل مقام الزُّهد للمريد).
يعني أنَّ هذا التوقِّي والتحرُّج بوصف الحذر والتعظيم هي٤ نهايةٌ لزهد العامَّة، وبدايةٌ لزهد المريد. وإنَّما كان كذلك لأنَّ الورع ــ كما تقدَّم ــ هو أوَّل التزهُّد٥ ورَديُّه٦، وزهد المريد فوق زهد العامَّة. ونهاية العامَّة هي بداية المريد، فنهاية مقام هذا هي بداية مقام هذا، فإذا انتهى ورع العامَّة صار زهدًا، وهو أوَّل ورع المريد.
(١) كذا في النسخ، نصَبَه وما قبله على أنه مفعول لأجله ذاهلًا عن كونه خبر «أن».
(٢) في الأصل وغيره: «والورع». ولعل المثبت من ع أشبه.
(٣) «المنازل» (ص ٢٤).
(٤) ج، ن، ع: «هو»، وإليه غُيِّر في ل.
(٥) كذا في الأصل، ش. وفي سائر النسخ: «الزهد».
(٦) أي: «رديئه» على لغة تسهيل الهمزة. وفي ع: «ركنه»، تصحيف.