وقوله: (أو تحرُّج على تعظيم) يعني أنَّ الباعث على الورع عن المحارم والشُّبه إمَّا حذرَ حلولِ الوعيد، وإمَّا تعظيمَ الرّبِّ ــ ﷻ ــ وإجلالًا١ له أن يتعرَّض لما نهى عنه، فالورع٢ عن المعصية إمَّا لخوفٍ أو تعظيم.
واكتفى بذكر التعظيم عن ذكر الحبِّ الباعثِ على ترك معصية المحبوب، لأنه لا يكون إلا مع تعظيمه، وإلَّا فلو خلا القلبُ من تعظيمه لم تستلزم محبَّتُه تركَ مخالفته، كمحبَّة الإنسان ولدَه وعبده وأمته، فإذا قارنه التعظيمُ أوجب ترك المخالفة.
قال٣: (وهو آخر مقام الزُّهد للعامَّة، وأوّل مقام الزُّهد للمريد).
يعني أنَّ هذا التوقِّي والتحرُّج بوصف الحذر والتعظيم هي٤ نهايةٌ لزهد العامَّة، وبدايةٌ لزهد المريد. وإنَّما كان كذلك لأنَّ الورع ــ كما تقدَّم ــ هو أوَّل التزهُّد٥ ورَديُّه٦، وزهد المريد فوق زهد العامَّة. ونهاية العامَّة هي بداية المريد، فنهاية مقام هذا هي بداية مقام هذا، فإذا انتهى ورع العامَّة صار زهدًا، وهو أوَّل ورع المريد.
(١) كذا في النسخ، نصَبَه وما قبله على أنه مفعول لأجله ذاهلًا عن كونه خبر «أن».
(٢) في الأصل وغيره: «والورع». ولعل المثبت من ع أشبه.
(٣) «المنازل» (ص ٢٤).
(٤) ج، ن، ع: «هو»، وإليه غُيِّر في ل.
(٥) كذا في الأصل، ش. وفي سائر النسخ: «الزهد».
(٦) أي: «رديئه» على لغة تسهيل الهمزة. وفي ع: «ركنه»، تصحيف.
قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: تجنُّب القبائح لصون النفس وتوفيرِ الحسنات وصيانةِ الإيمان).
هذه ثلاث فوائد من فوائد تجنُّب القبائح.
أحدها: (صون النّفس)، وهو حفظها وحمايتها عمَّا يَشينها ويعيبها ويُزري بها عند الله وملائكته وعباده المؤمنين وسائر خلقه، فإنَّ من كَرُمت عليه نفسُه وكَبُرت عنده صانها وحماها، وزكَّاها وعلَّاها، ووضعها في أعلى المحالِّ، وزاحم بها أهل العزائم والكمالات. ومن هانت عليه نفسه وصغرت عنده ألقاها في الرذائل وأطلق شِناقها وحلَّ زِمامها، ودسَّاها ولم يَصُنها عن قبيحٍ. فأقلُّ ما في تجنُّب القبائح: صون النفس.
وأمَّا (توفير الحسنات)، فمن وجهين:
أحدهما: توفير زمانه على اكتساب الحسنات، فإذا اشتغل بالقبائح نقصت عليه الحسنات التي كان مستعدًّا لتحصيلها.
والثاني: توفير الحسنات المفعولة عن نقصانها بموازنة السيِّئات أو حبوطها، كما تقدَّم في منزلة التوبة٢ أنّ السيئات قد تُحبِط الحسنات، وقد تستغرقها بالكليَّة أو تَنقُصها، فلا بدَّ أن تُضعفها قطعًا، فتجنُّبها يوفِّر٣ ديوان الحسنات. وذلك بمنزلة من له مالٌ حاصلٌ فاستدان عليه، فإمَّا أن يستغرقه الدينُ أو أكثرَه، أو يَنقُصه؛ فهكذا الحسنات والسيئات.