مدارج السالكين

وأمَّا (صيانة الإيمان)، فلأنَّ الإيمان عند جميع أهل السُّنة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد حكاه الشافعيُّ وغيره عن الصحابة والتابعين ومَن بعدهم١. وإضعاف المعاصي للإيمان أمرٌ معلومٌ بالذوق والوجود، فإنَّ العبد كما جاء في الحديث: «إذا أذنب نُكِت٢ في قلبه نكتةٌ سوداء، فإن تاب واستغفر صُقِل قلبُه، وإن عاد فأذنب نكت فيه نكتةٌ أخرى حتَّى تعلوَ قلبَه، وذلك الرَّان الذي قال الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]»٣.

فالقبائح تسوِّد القلب وتطفئ نوره. والإيمانُ هو نورٌ في القلب، والقبائح تَذهب به أو تقلِّله قطعًا، فالحسنات تزيد نور القلب، والسّيِّئات تطفئ نور القلب. وقد أخبر تعالى أنَّ كسب القلوب سببٌ للرَّان الذي يعلوها، وأخبر أنَّه أركس المنافقين في نفاقهم بكسبهم٤ فقال: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨].

وأخبر أنّ نقض الميثاق الذي أخذه على عباده سببٌ لتقسية القلب فقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، فجعل

  1. (١) قول الشافعي أسنده اللالكائي في «شرح السنة» (٥/ ٩٥٦ - ٩٥٧).
  2. (٢) ع: «نكتت».
  3. (٣) أخرجه أحمد (٧٩٥٢) والترمذي (٣٣٣٤) والنسائي في «الكبرى» (١٠١٧٩) وابن حبان (٩٣٠) والحاكم (١/ ٥) من حديث أبي هريرة. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
  4. (٤) ع: «أركس المنافقين بما كسبوا».
242

ذنب النقض موجبًا لهذه١ الآثار من تقسية القلب، واللَّعنة، وتحريف الكلم، ونسيان العلم.

فالمعاصي للإيمان كالمرض والحمَّى للقوّة سواءً بسواء، ولذلك قال السَّلف٢: «المعاصي بريد الكفر كما أنَّ الحمَّى بريد الموت»، فإيمان صاحب القبائح كقوَّة المريض على حسب قوَّة مرضه وضعفه.

وهذه الأمور الثلاثة ــ وهي صون النفس، وتوفير الحسنات، وصيانة الإيمان ــ هي أرفع مِن باعث العامَّة على الورع، لأنَّ صاحبها أرفع همَّةً لأنه عاملٌ على تزكية نفسه وصونها وتأهيلها للوصول إلى ربِّها، فهو يصونها عمَّا يَشينها عنده ويحجبه عنها٣، ويَصُون حسناتِه عمَّا يسقطها ويُضعفها لأنّه يسير بها إلى ربِّه ويتطلَّب٤ بها رضاه، ويصون إيمانه بربِّه مِن حبِّه له وتوحيدِه ومعرفتِه به ومراقبتِه إيَّاه عمَّا يطفئ نورَه ويُذهب بهجتَه ويُوهي٥ قوَّته.

قال الشيخ ﵀: (وهذه الثلاث الصِّفات هي في الدرجة الأولى من ورع المريدين)٦.

  1. (١) في الأصل وغيره: «لشدَّة»، ولعل المثبت من م، ش، ع أشبه.
  2. (٢) هو أبو حفص الحدَّاد الزاهد (ت ٢٦٤)، وقوله في «طبقات الصوفية» للسلمي (ص ١١٦) و«حلية الأولياء» (١٠/ ٢٢٩) و«شعب الإيمان» (٦٨٣١) و«القشيرية» (ص ١٤٣).
  3. (٣) ش: «ويحجبها عنه».
  4. (٤) ع: «ويطلب».
  5. (٥) ع: «يوهن».
  6. (٦) هذه العبارة: «قال الشيخ ... المريدين» نقلها المؤلف من «شرح التلمساني» (ص ١٤٧)، ولا توجد في مطبوعة «المنازل» ولا في «شرح القاساني».
243

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي