مدارج السالكين

ذنب النقض موجبًا لهذه١ الآثار من تقسية القلب، واللَّعنة، وتحريف الكلم، ونسيان العلم.

فالمعاصي للإيمان كالمرض والحمَّى للقوّة سواءً بسواء، ولذلك قال السَّلف٢: «المعاصي بريد الكفر كما أنَّ الحمَّى بريد الموت»، فإيمان صاحب القبائح كقوَّة المريض على حسب قوَّة مرضه وضعفه.

وهذه الأمور الثلاثة ــ وهي صون النفس، وتوفير الحسنات، وصيانة الإيمان ــ هي أرفع مِن باعث العامَّة على الورع، لأنَّ صاحبها أرفع همَّةً لأنه عاملٌ على تزكية نفسه وصونها وتأهيلها للوصول إلى ربِّها، فهو يصونها عمَّا يَشينها عنده ويحجبه عنها٣، ويَصُون حسناتِه عمَّا يسقطها ويُضعفها لأنّه يسير بها إلى ربِّه ويتطلَّب٤ بها رضاه، ويصون إيمانه بربِّه مِن حبِّه له وتوحيدِه ومعرفتِه به ومراقبتِه إيَّاه عمَّا يطفئ نورَه ويُذهب بهجتَه ويُوهي٥ قوَّته.

قال الشيخ ﵀: (وهذه الثلاث الصِّفات هي في الدرجة الأولى من ورع المريدين)٦.

  1. (١) في الأصل وغيره: «لشدَّة»، ولعل المثبت من م، ش، ع أشبه.
  2. (٢) هو أبو حفص الحدَّاد الزاهد (ت ٢٦٤)، وقوله في «طبقات الصوفية» للسلمي (ص ١١٦) و«حلية الأولياء» (١٠/ ٢٢٩) و«شعب الإيمان» (٦٨٣١) و«القشيرية» (ص ١٤٣).
  3. (٣) ش: «ويحجبها عنه».
  4. (٤) ع: «ويطلب».
  5. (٥) ع: «يوهن».
  6. (٦) هذه العبارة: «قال الشيخ ... المريدين» نقلها المؤلف من «شرح التلمساني» (ص ١٤٧)، ولا توجد في مطبوعة «المنازل» ولا في «شرح القاساني».
243

يعني أنّ للمريدين درجتين أُخريين من الورع فوق هذه، ثمَّ ذكرهما فقال١: (الدرجة الثانية: حفظ الحدود عند ما لا بأس به إبقاءً على الصِّيانة والتّقوى، وصعودًا عن الدَّناءة، وتخلُّصًا عن اقتحام الحدود).

يقول: إنَّ من صعد عن الدرجة الأولى إلى هذه الدرجة من الورع فهو يترك٢ كثيرًا ممَّا لا بأس به من المباح إبقاءً على صيانته، وخوفًا عليها أن يتكدَّر صفوُها ويطفأ نورُها، فإنَّ كثيرًا من المباح يكدِّر صفو الصِّيانة، ويُذهب بهجتها، ويطفئ نورها، ويُخْلِق حُسنَها وبهجتَها.

وقال لي يومًا شيخ الإسلام ابن تيميّة ــ قدّس الله روحه ــ في شيءٍ من المباح: هذا ينافي المراتب العالية وإن لم يكن تركه شرطًا في النَّجاة. أو نحو هذا من الكلام.

فالعارف يترك كثيرًا من المباح إبقاءً على صيانته، ولا سيَّما إذا كان ذلك المباح برزخًا بين الحلال والحرام، فإنَّ بينهما برزخًا كما تقدَّم، فتَرْكُه لصاحب هذه الدرجة كالمتعيِّن الذي لابدَّ منه لمنافاته لدرجته.

والفرق بين صاحب الدرجة الأولى وصاحب هذه: أنّ ذاك يسعى في تحصيل الصِّيانة، وهذا يسعى في حفظِ صفوها أن يتكدَّر ونورِها٣ أن

  1. (١) «المنازل» (ص ٢٤).
  2. (٢) الأصل، ل: «ترك».
  3. (٣) كذا في ع، وإليه أُصلح النص في ل. وفي سائر النسخ: «وتقرُّرها»، وقد سبق على الصواب قريبًا في سياق مشابه.
244

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي