مدارج السالكين

بدَّ أن يعمل لغيره، وقد تقدَّم هذا١.

فالمخلص يصونه الله بعبادته وحدَه وإرادةِ وجهه، وخشيته وحده ورجائه وحده، والطلبِ منه والذلِّ له والافتقار إليه= عن عبادة غيره وإرادته، وخشيته ورجائه، والطلب منه والذل له والافتقار إليه٢.

وإنَّما كان هذا أعلى من الدرجة الثانية لأنَّ أربابها مشتغلون بحفظ الصِّيانة من الكدر وملاحظتها، وذلك عند أهل الدرجة الثالثة تفرُّقٌ عن الحقِّ واشتغالٌ عن مراقبته بحال نفوسهم، فأدب أهل هذه الدرجة أدب حضورٍ، وأدب أولئك أدب غيبةٍ.

وأمَّا (الورع عن كلِّ حالٍ يعارض حالَ الجمع)، فمعناه أن يستغرق العبدَ شهودُ فنائه في التوحيد وجمعيَّتُه على الله تعالى فيه عن كلِّ حالٍ يعارض هذا الفناء والجمعيَّة.

وهذا عند الشيخ لمَّا كان هو الغايةَ التي ليس بعدها مطلبٌ جعل كلَّ حالٍ يعارضها ويقطع عنها ناقصًا بالنِّسبة إليها، فالرغبة عنه عينُ٣ ورع صاحبها. وقد عرفت ما فيه، وأنَّ فوق هذا مقامٌ٤ أرفع منه وأعلى، وهو الورع عن كلِّ حظٍّ يزاحم مراده منك، ولو كان الحظُّ فناءً أو جمعيَّةً أو كائنًا ما كان. وبيَّنَّا أنَّ الفناء والجمعية حظُّ العبد، وأنَّ حقَّ الربِّ وراء ذلك، وهو

  1. (١) (١/ ٢٥٢).
  2. (٢) «عن عبادة غيره ... والافتقار إليه» ساقط من ع.
  3. (٣) في النسخ عدا الأصل، ل، ع: «غير»، تصحيف يُفسد المعنى، ولعل منشأه أن رسمها في الأصل، ل محتمل غير محرَّر.
  4. (٤) كذا في النسخ بالرفع.
246

البقاء بمراده فرقًا وجمعًا به وله.

وعلى هذا فالورع الخاصُّ: الورع عن كلِّ حالٍ يعارض حالَ القيام بالأمر، والبقاءُ به فرقًا وجمعًا. وبالله المستعان.

فصل

الخوف يثمر الورع والاستقامة وقصر الأمل. وقوَّةُ الإيمان باللِّقاء تثمر الزُّهد. والمعرفة تثمر المحبَّة والخوف والرّجاء. والقناعة تثمر الرِّضاء. والذِّكر يثمر حياة القلب.

والإيمان بالقدر يثمر التّوكُّل. ودوام تأمُّل الأسماء والصِّفات يثمر المعرفة.

والورع يثمر الزُّهد أيضًا. والتوبة تثمر المحبَّة أيضًا، ودوام الذِّكر يثمرها. والرِّضا يثمر الشُّكر. والعزيمة والصبر يثمران جميع الأحوال والمقامات.

والإخلاص والصِّدق كلٌّ منهما يثمر الآخر ويقتضيه. والمعرفة تثمر حسن الخُلُق. والفكرة تثمر العزيمة. والمراقبة تثمر عمارة الوقت وحفظَ الأيام والحياء والخشية والإنابة.

وإماتة النَّفس وإذلالُها وكسرُها يوجب حياة القلب وعزَّه وجبره. ومعرفة النَّفس ومقتُها يثمر الحياء من الله تعالى، واستكثارَ ما منه، واستقلالَ ما منك من الطاعات، ومحوَ أثر الدعوى من القلب واللِّسان.

وصحَّةُ البصيرة تثمر اليقين. وحسنُ التأمُّل لما ترى وتسمع من الآيات المشهودة والمتلوَّة يثمر صحة البصيرة.

247

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي