ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ منزلة التبتُّل. قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾[المزمل: ٨].
والتّبتُّل: الانقطاع، وهو (تَفَعُّل) من البَتْل وهو القطع. وسمِّيت مريمُ «البتول» لانقطاعها عن الأزواج وعن نظراء زمانها١، ففاقت نساء الزّمان شرفًا وفضلًا وقُطعت منهنَّ.
ومصدرُ تبتَّل: «تبتُّلًا» كالتعلُّم والتفهُّم، ولكن جاء على التفعيل مصدرُ (تفَعَّلَ)٢ لسرٍّ لطيفٍ، فإنَّ في هذا الفعل إيذانًا بالتدريج والتكلُّف والتعمُّل والتكثير والمبالغة٣؛ فأتى بالفعل الدالِّ على أحدهما، والمصدر الدالِّ على الآخر، فكأنه قيل: بتِّلْ نفسك إليه تبتيلًا، وتبتَّلْ أنت إليه تبتُّلًا؛ ففُهم المعنيان من الفعل ومصدره. وهذا كثيرٌ في القرآن، وهو من أحسن الاختصار والإيجاز.
(١) ع: «نظراء نساء زمانها».
(٢) كذا في جميع النسخ. أي: جاء مصدرُ (تفعَّلَ) في الآية على التفعيل ــ وهو خلاف الأصل ــ لسرٍّ لطيف. وقد يكون «تفعَّلَ» سبق قلم أو تصحيفًا عن «فعَّلَ»، فيكون السياق: «جاء (أي: مصدر تبتَّل) على التفعيل مصدرِ (فعَّلَ) لسرٍّ لطيف».
(٣) كذا في النسخ بالجمع بين معاني الفعلين على نسق، والمراد أن (تفعَّلَ) يؤذن بالتدريج والتكلُّف والتعمُّل، و(فعَّل) يؤذن بالتكثير والمبالغة، فجاء الفعل (تبتَّل) من الأول، والمصدر (تبتيلًا) من الثاني، لتكون الآية دالَّة على كلا المعنيَين.
قال صاحب «المنازل» ﵀١: (التبتُّل: الانقطاع إلى الله تعالى بالكلِّيَّة. وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾[الرعد: ١٤] أي التجريد المحض).
ومراده بالتجريد المحض: تجريد التّبتُّل عن ملاحظة الأعواض، بحيث لا يكون المتبتِّل كالأجير الذي لا يخدم إلَّا لأجل الأجرة، فإذا أخذها انصرف عن باب المستأجر، بخلاف العبد فإنَّه يخدم سيدَه بمقتضى عبوديَّته لا للأجرة، فهو لا ينصرف عن بابه إلَّا إذا كان آبقًا. والآبق قد خرج من شرف العبوديَّة ولم يحصل له إطلاق الحرِّيَّة، فصار بذلك موكوسًا٢ عند سيِّده وعند عبيده.
وغاية شرف النفس دخولها تحت رقِّ العبوديّة طوعًا واختيارًا ومحبَّةً، لا كرهًا وقهرًا، كما قيل٣:
(١) كما في «شرح التلمساني» (ص ١٤٩). ولفظ مطبوعة «المنازل» (ص ٢٥): «قال الله ﷿: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾، التبتل: الانقطاع بالكلية، وقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ دعوة إلى التجريد المحض». وهذا اللفظ أيضًا أثبته ناسخ ش في الهامش وقال: «كذا في نسخة صحيحة، غير الصورة التي ذكرها الشارح». وذكر القاساني في «شرحه» (ص ١٢٨) أنه في بعض النسخ: «وقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ دعوة الحق إلى التجريد المحض»، والظاهر أنه عن مثل هذه النسخة تصحَّفت العبارة إلى الصورة التي وردت بها عند التلمساني، ثم عند المؤلف. والله أعلم.
(٢) أي: مغبونًا خاسرًا، يقال: وُكِس الرجل في البيع، إذا أصابه خسران ونقص من رأس ماله.
(٣) لم أقف له على قائل، وقد أنشده أيضًا تلميذ المؤلف ابن رجب في «اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى» (ص ١١٤) بلا نسبة.