مدارج السالكين

من التعلُّق، فلمَّا انقطع تعلُّقها مِن هواها وجدت رَوح الأنس بالله وهبَّت عليها نسماته، فرَنَّحَتْها١ وأَحْيَتها.

وثالثها٢: شَيم برق الكشف، وهو مطالعته واستشرافه والنظر إليه ليعلم به مواقع الغيث ومَساقط الرحمة. وليس مراده بالكشف هاهنا الكشفَ الجُزويَّ السُّفليَّ، المشتركَ بين البرِّ والفاجر والمؤمن والكافر، كالكشف عن مخبَّآت الناس ومستورهم. وإنّما هو الكشف عن ثلاثة أشياءَ هي منتهى كشف الصادقين أرباب البصائر:

أحدها: الكشف عن منازل السير.

والثاني: الكشف عن عيوب النفس وآفات الأعمال ومُفسداتها.

والثالث: الكشف عن معاني الأسماء والصِّفات وحقائق التوحيد والمعرفة.

وهذه الأبواب الثلاثة هي مجامع علوم القوم، وعليها يحومون٣، وإليها يشمِّرون، فمنهم من جُلُّ كلامه ومعظمُه في السير وصفة المنازل، ومنهم من جلُّ كلامه في الآفات والقواطع٤، ومنهم من جلُّ كلامه في التّوحيد والمعرفة وحقائق الأسماء والصِّفات.

  1. (١) أي: حرَّكَتْها وأنشطَتْها. في ل، والنسخ المطبوعة: «ريَّحتها»، خطأ ولا وجود لـ «ريَّح» في المعاجم، وإنما يقال: «روَّح».
  2. (٢) ع: «ونالها» متصلًا بما قبلها، وهو تصحيف.
  3. (٣) في ع زيادة: «وحولها يُدندون».
  4. (٤) ع: «والقطَّاع».
254

والصادق الذَّكيُّ يأخذ من كلٍّ منهم ما عنده من الحقِّ فيستعين به على مطلبه، ولا يردُّ ما يجده عنده من الحقِّ بتقصيره في الحقِّ الآخر١ ويُهدره به؛ فالكمال المطلق لله ربِّ العالمين، وما مِن العباد إلَّا مَن٢ له مقامٌ معلومٌ.

قال٣: (الدرجة الثالثة: تجريد الانقطاع إلى السبق بتصحيح الاستقامة، والاستغراقِ في قصد الوصول، والنظر إلى أوائل الجمع).

لمَّا جعل الدرجة الأولى انقطاعًا عن الخلق والثَّانيةَ انقطاعًا عن النَّفس جعل الثَّالثة لطلب السبق. وجعله بـ (تصحيح الاستقامة)، وهي الإعراض عمَّا سوى الحقِّ، ولزومُ الإقبال عليه، والاشتغالُ بمحابِّه.

ثمَّ بـ (الاستغراق في قصد الوصول)، وهو أن يَشغَلَه طلبُ الوصول عن كلِّ شيءٍ بحيث يستغرق همومَه وعزائمه وإراداتِه وأوقاتَه. وإنَّما يكون ذلك بعد بدوِّ برق الكشف المذكور له.

وأمَّا (النظر إلى أوائل الجمع)، فالجمع هو قيامُ الخلق كلِّهم بالحقِّ وحده، وقيامُه عليهم بالرُّبوبية والتدبير. والنظر إلى أوائل ذلك: الالتفات إلى مقدِّماته وبداياته، وهي العقبة التي ينحدر منها على وادي الفناء.

وقد قيل: إنّها وقفةٌ تعترض القاطع لأودية التفرقة قبل وصوله إلى الجمع، ومنها يشرف عليه. وهذه الوقفة تعترض كلَّ طالب مُجِدٍّ في طلبه،

  1. (١) ع: «في الآخر».
  2. (٢) «من» لم ترد في ع.
  3. (٣) «المنازل» (ص ٢٥).
255

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي