مدارج السالكين

والصادق الذَّكيُّ يأخذ من كلٍّ منهم ما عنده من الحقِّ فيستعين به على مطلبه، ولا يردُّ ما يجده عنده من الحقِّ بتقصيره في الحقِّ الآخر١ ويُهدره به؛ فالكمال المطلق لله ربِّ العالمين، وما مِن العباد إلَّا مَن٢ له مقامٌ معلومٌ.

قال٣: (الدرجة الثالثة: تجريد الانقطاع إلى السبق بتصحيح الاستقامة، والاستغراقِ في قصد الوصول، والنظر إلى أوائل الجمع).

لمَّا جعل الدرجة الأولى انقطاعًا عن الخلق والثَّانيةَ انقطاعًا عن النَّفس جعل الثَّالثة لطلب السبق. وجعله بـ (تصحيح الاستقامة)، وهي الإعراض عمَّا سوى الحقِّ، ولزومُ الإقبال عليه، والاشتغالُ بمحابِّه.

ثمَّ بـ (الاستغراق في قصد الوصول)، وهو أن يَشغَلَه طلبُ الوصول عن كلِّ شيءٍ بحيث يستغرق همومَه وعزائمه وإراداتِه وأوقاتَه. وإنَّما يكون ذلك بعد بدوِّ برق الكشف المذكور له.

وأمَّا (النظر إلى أوائل الجمع)، فالجمع هو قيامُ الخلق كلِّهم بالحقِّ وحده، وقيامُه عليهم بالرُّبوبية والتدبير. والنظر إلى أوائل ذلك: الالتفات إلى مقدِّماته وبداياته، وهي العقبة التي ينحدر منها على وادي الفناء.

وقد قيل: إنّها وقفةٌ تعترض القاطع لأودية التفرقة قبل وصوله إلى الجمع، ومنها يشرف عليه. وهذه الوقفة تعترض كلَّ طالب مُجِدٍّ في طلبه،

  1. (١) ع: «في الآخر».
  2. (٢) «من» لم ترد في ع.
  3. (٣) «المنازل» (ص ٢٥).
255

فمنها يرجع على عقبيه، أو يصل إلى مطلبه، كما قيل١:

لابدَّ للعاشق من وقفةٍما بين سلوانٍ وبين الغرامْ
وعندها ينقل أقدامهإمَّا إلى خلفٍ وإمَّا أمامْ

والذي يظهر لي من كلامه أنَّ أوائل الجمع مبادئه ولوائحه وبوارقه.

وبعد هذا درجة رابعة، وهي الانقطاع عن مراده من ربِّه والفناءُ عنه٢ إلى مراد ربِّه منه والفناءُ به، فلا يريد منه، بل يريد ما يريده، منقطعًا به عن كلِّ إرادةٍ، فينظر في أوائل الجمع في مراده الدِّينيِّ الأمريِّ الذي يحبُّه ويرضاه.

وأكثر أرباب السُّلوك عندهم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فرقٌ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ جمعٌ. ثمَّ منهم من يرى أنَّ ترك الفرق زندقة وكفر، فهو يعرض عن الجمع إلى الفرق. ومنهم من يرى أنَّ مقام التفرقة مقام ناقص مرغوب عنه، ويرى سوء حالِ أهله وتشتُّتَهم، ويرغب عنه عاملًا على الجمع، يتوجَّه معه حيث توجَّهت ركائبه.

والمستقيمون منهم يقولون: لا بدَّ للعبد السالك من جمعٍ وفرقٍ؛ وقيامُ العبوديَّة بهما، فمن لا تفرقة له لا عبوديَّة له، ومن لا جمع له لا معرفة له ولا حال، فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فرقٌ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ جمعٌ.

والحقُّ: أنّ كلًّا من مشهدَي٣ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

  1. (١) لم أقف عليه، والشطر الأول للعباس بن الأحنف في بيتين له. انظر: «الشعر والشعراء» (ص ٨٣١) و«الزهرة» (ص ١٠٦).
  2. (٢) ع: «القناعة»، تحريف.
  3. (٣) في الأصل وغيره: «مشهد» مفردًا، ولعل المثبت من ع أولى.
256

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي