مدارج السالكين

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الرجاء.

قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، فابتغاء الوسيلة إليه: طلب القرب منه بالعبودية والمحبَّة، فذكر مقامات الإيمان الثلاثة التي عليها بناؤه: الحبَّ، والخوف، والرَّجاء.

وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]. وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]١.

وفي «صحيح مسلم»٢ عن جابرٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاثٍ: «لا يموتَنَّ أحدكم إلَّا وهو يحسن الظنَّ بربِّه».

وفي «الصحيح»٣ عنه ﷺ «يقول الله ﷿: أنا عند ظنِّ عبدي بي، فليظنَّ بي ما شاء».

  1. (١) في ع زيادة: «وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]».
  2. (٢) برقم (٢٨٧٧).
  3. (٣) للبخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة، وليس فيه قوله: «فليظن بي ما شاء». وبتمامه أخرجه أحمد (١٦٠١٦) والدارمي (٢٧٧٣) وابن حبان (٦٣٣) والحاكم (٤/ ٢٤٠) من حديث واثلة بن الأسقع بإسناد صحيح.
259

الرجاءُ حادٍ يحدو القلوب إلى١ الله والدار الآخرة، ويطيب لها السَّير.

وقيل: هو الاستبشار بوجود فضل الربِّ تعالى، والارتياح لمطالعة كرمه٢.

وقيل: هو الثقة بجود الربِّ.

والفرق بينه وبين التمنِّي: أن التمنِّي يكون مع الكسل، ولا يسلك بصاحبه طريق الجدِّ والاجتهاد، والرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكُّل. فالأوَّل كحال من يتمنَّى أن يكون له أرضٌ يَبْذُرها ويأخذ زرعها، والثاني كحال من يشقُّ أرضه ويَفْلَحها ويبذرها ويرجو طلوع الزرع.

ولهذا أجمع العارفون على أنَّ الرجاء لا يصحُّ إلَّا مع العمل. قال شاهٌ الكرماني: علامة صحَّة الرجاء: حسن الطاعة٣.

والرجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان، ونوعٌ غرور مذموم.

فالأوَّلان: رجاءُ رجلٍ عمل بطاعة الله على نورٍ من الله فهو راجٍ لثوابه، ورجلٍ أذنب ذنبًا ثمَّ تاب منه٤ فهو راجٍ لمغفرته٥.

والثالث: رجلٌ مُتَمادٍ في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عملٍ، فهذا هو الغرور والتمنِّي والرجاء الكاذب.

  1. (١) في ع زيادة: «بلاد المحبوب، وهو».
  2. (٢) ذكره في «القشيرية» (٣٦٠) عن أبي عبد الله بن خفيف.
  3. (٣) «القشيرية» (ص ٣٥٩). وأسنده السلمي في «طبقات الصوفية» (ص ١٩٣).
  4. (٤) ع: «ذنوبًا ثم تاب منها».
  5. (٥) ع: «لمغفرة الله تعالى وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه».
260

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي