وللسالك نظران: نظر إلى نفسه وعيوبه وآفات عمله، يفتح عليه باب الخوف. ونظرٌ إلى سعة فضل ربِّه وكرمه وبرِّه، يفتح عليه باب الرّجاء. ولهذا قيل في حدِّ الرجاء: هو النظر إلى سعة رحمة الله.
وقال أبو عليٍّ الرُّوذْباري ﵀: الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير وتمَّ طيرانُه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حدِّ الموت١.
وسئل أحمد بن عاصمٍ: ما علامة الرجاء في العبد؟ فقال: أن يكون إذا أحاط به الإحسان أُلهم الشُّكر، راجيًا لتمام النِّعمة من الله عليه في الدُّنيا وتمامِ عفوه عنه في الآخرة٢.
واختلفوا أيُّ الرجائين أكمل: رجاء المحسنِ ثوابَ إحسانه، أو رجاء المذنب المسيء التائب مغفرةَ ربِّه وعفوه؟ فطائفةٌ رجَّحت رجاء المحسن لقوَّة أسباب الرجاء معه. وطائفةٌ رجَّحت رجاء٣ المذنب لأنَّ رجاءه مجرَّدٌ عن علَّة رؤية العمل، مقرونٌ بذلَّة رؤية الذنب.
قال يحيى بن معاذٍ: يكاد رجائي لك مع الذُّنوب يغلب على رجائي لك مع الأعمال، لأنِّي أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص، وكيف أحرزها وأنا بالآفات معروفٌ! وأجدني في الذُّنوب أعتمد على عفوك، وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوفٌ!
(١) ع: «الموات». وقد أسنده البيهقي في «شعب الإيمان» (٩٩٦) والقشيري (ص ٣٦٠).
(٢) أسنده القشيري (ص ٣٦٠).
(٣) ع: «جانب».
وقال أيضًا: إلهي، أحلى العطايا في قلبي رجاؤك، وأعذب الكلام على لساني ثناؤك، وأحبُّ الساعات إليَّ ساعةٌ يكون فيها لقاؤك١.
فصل
قال صاحب «المنازل» ﵀٢: (الرجاء أضعف منازل المريد، لأنَّه معارَضةٌ من وجهٍ واعتراضٌ من وجه، وهو وقوعٌ في الرُّعونة في مذهب هذه الطّائفة. ولفائدةٍ واحدةٍ نطق به التنزيل والسُّنة٣، وتلك الفائدة هي كونه يبرِّد حرارة الخوف حتَّى لا يُفضي بصاحبه إلى الإياس).
شيخ الإسلام حبيبٌ إلينا، والحقُّ أحبُّ إلينا منه، وكلُّ من عدا المعصوم فمأخوذٌ من قوله ومتروك. ونحن نحمل كلامه على أحسن محامله، ثمَّ نبيِّن ما فيه:
أمَّا قوله: (الرجاء أضعف منازل المريد)، يعني بالنِّسبة إلى ما فوقه من المنازل، كمنزلة المعرفة، والمحبَّة، والإخلاص، والصِّدق، والتوكُّل، لا أنَّ مراده ضعف حال هذه المنزلة في نفسها وأنَّها منزلة ناقصة.
وأمَّا قوله: (لأنه معارضة من وجه، واعتراض من وجه)، فلأنَّه تعلُّق
(١) ذكرهما القشيري (ص ٣٦١).
(٢) (ص ٢٦)، ولفظه من «شرح التلمساني» (ص ١٥٥).
(٣) في ش زيادة: «ودخل في مسالك المحققين». وجاءت في هامش الأصل أيضًا مرموزًا لها بـ (خ. م)، أي: أنها استدركت من نسخةٍ من «المنازل». وهي ثابتة في متنه المطبوع وفي «شرح التلمساني»، ولم نثبتها في المتن هنا لأن المؤلف لم يتعرَّض لها في الشرح، فالظاهر أنها لم تكن في النسخة التي اعتمدها.