مدارج السالكين

وقال أيضًا: إلهي، أحلى العطايا في قلبي رجاؤك، وأعذب الكلام على لساني ثناؤك، وأحبُّ الساعات إليَّ ساعةٌ يكون فيها لقاؤك١.

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀٢: (الرجاء أضعف منازل المريد، لأنَّه معارَضةٌ من وجهٍ واعتراضٌ من وجه، وهو وقوعٌ في الرُّعونة في مذهب هذه الطّائفة. ولفائدةٍ واحدةٍ نطق به التنزيل والسُّنة٣، وتلك الفائدة هي كونه يبرِّد حرارة الخوف حتَّى لا يُفضي بصاحبه إلى الإياس).

شيخ الإسلام حبيبٌ إلينا، والحقُّ أحبُّ إلينا منه، وكلُّ من عدا المعصوم فمأخوذٌ من قوله ومتروك. ونحن نحمل كلامه على أحسن محامله، ثمَّ نبيِّن ما فيه:

أمَّا قوله: (الرجاء أضعف منازل المريد)، يعني بالنِّسبة إلى ما فوقه من المنازل، كمنزلة المعرفة، والمحبَّة، والإخلاص، والصِّدق، والتوكُّل، لا أنَّ مراده ضعف حال هذه المنزلة في نفسها وأنَّها منزلة ناقصة.

وأمَّا قوله: (لأنه معارضة من وجه، واعتراض من وجه)، فلأنَّه تعلُّق

  1. (١) ذكرهما القشيري (ص ٣٦١).
  2. (٢) (ص ٢٦)، ولفظه من «شرح التلمساني» (ص ١٥٥).
  3. (٣) في ش زيادة: «ودخل في مسالك المحققين». وجاءت في هامش الأصل أيضًا مرموزًا لها بـ (خ. م)، أي: أنها استدركت من نسخةٍ من «المنازل». وهي ثابتة في متنه المطبوع وفي «شرح التلمساني»، ولم نثبتها في المتن هنا لأن المؤلف لم يتعرَّض لها في الشرح، فالظاهر أنها لم تكن في النسخة التي اعتمدها.
262

بمراد العبد من ربِّه من الإحسان والثواب والإفضال، وقد يكون مراده تعالى من عبده استيفاءَ حقِّه ومعاملتَه بحكم عدله لِما له في ذلك من الحكمة؛ فإذا أراد العبد منه معاملته بحكم الفضل دخل في نوع معارَضةٍ، فكأنَّ الراجي تعلَّق قلبُه بما يعارض تصرُّفَ المالك في ملكه. وذلك ينافي حكم استسلامه وانقياده وانطراحه بين يدي ربِّه مستسلمًا لِما يحكم به فيه، فرجاؤه معارَضة لحكمه وإرادته، ووقوفٌ مع مراده من سيِّده، وذلك يعارض مراد سيِّده منه. والمحبُّ الصادق من فني بمراد محبوبه عن مراده منه، ولو كان فيه تعذيبُه!

وأمَّا وجه الاعتراض فهو أن القلب إذا تعلَّق بالرجاء ولم يظفر بمرجوِّه اعترض، حيث لم يحصل له مرجوُّه ولم يظفر به. وإن ظفر به اعترض، حيث فات غيرَه ذلك المرجوُّ١، لأن كلَّ أحدٍ يرجو فضل الله ويحدِّث نفسه به.

وفيه وجهٌ آخر من الاعتراض: وهو أنه يعترض على ربِّه بما يرجوه منه، لأنَّ الراجي متمنٍّ لما يرجو مُوثِرٌ له، وذلك اعتراضٌ على القدر، منافٍ لكمال الاستسلام والرِّضا بما سبق به القضاء؛ فإذا تيقَّن أنَّه قد سبق له القضاء بشيءٍ، وأنَّه لا بدَّ أن يناله، فعلَّق قلبه برجاء شيءٍ من الفضل= فقد اعترض على القضاء، ولم يعرف للاستسلام للحكم حقَّه. وذلك وقوعٌ في الرُّعونة في مذهب السائرين على درب الفناء الناظرين إلى عين الجمع، إذ الرُّعونة هي الوقوف مع حظِّ النّفس، والرجاء هو الوقوف مع الحظِّ لأنَّه يتعلَّق بالحظوظ.

  1. (١) فيقول الظافر معترضًا: «لِمَ لا يشمل الجميعَ بالرحمة؟». انظر: «شرح التلمساني» (ص ١٥٤).
263

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي