مدارج السالكين

بمراد العبد من ربِّه من الإحسان والثواب والإفضال، وقد يكون مراده تعالى من عبده استيفاءَ حقِّه ومعاملتَه بحكم عدله لِما له في ذلك من الحكمة؛ فإذا أراد العبد منه معاملته بحكم الفضل دخل في نوع معارَضةٍ، فكأنَّ الراجي تعلَّق قلبُه بما يعارض تصرُّفَ المالك في ملكه. وذلك ينافي حكم استسلامه وانقياده وانطراحه بين يدي ربِّه مستسلمًا لِما يحكم به فيه، فرجاؤه معارَضة لحكمه وإرادته، ووقوفٌ مع مراده من سيِّده، وذلك يعارض مراد سيِّده منه. والمحبُّ الصادق من فني بمراد محبوبه عن مراده منه، ولو كان فيه تعذيبُه!

وأمَّا وجه الاعتراض فهو أن القلب إذا تعلَّق بالرجاء ولم يظفر بمرجوِّه اعترض، حيث لم يحصل له مرجوُّه ولم يظفر به. وإن ظفر به اعترض، حيث فات غيرَه ذلك المرجوُّ١، لأن كلَّ أحدٍ يرجو فضل الله ويحدِّث نفسه به.

وفيه وجهٌ آخر من الاعتراض: وهو أنه يعترض على ربِّه بما يرجوه منه، لأنَّ الراجي متمنٍّ لما يرجو مُوثِرٌ له، وذلك اعتراضٌ على القدر، منافٍ لكمال الاستسلام والرِّضا بما سبق به القضاء؛ فإذا تيقَّن أنَّه قد سبق له القضاء بشيءٍ، وأنَّه لا بدَّ أن يناله، فعلَّق قلبه برجاء شيءٍ من الفضل= فقد اعترض على القضاء، ولم يعرف للاستسلام للحكم حقَّه. وذلك وقوعٌ في الرُّعونة في مذهب السائرين على درب الفناء الناظرين إلى عين الجمع، إذ الرُّعونة هي الوقوف مع حظِّ النّفس، والرجاء هو الوقوف مع الحظِّ لأنَّه يتعلَّق بالحظوظ.

  1. (١) فيقول الظافر معترضًا: «لِمَ لا يشمل الجميعَ بالرحمة؟». انظر: «شرح التلمساني» (ص ١٥٤).
263

وأصحابُ هذه الطريق أوَّلُ طريقهم: الخروج عن نفوسهم، فضلًا عن حظوظها لأنَّهم عاملون على أن يكونوا بالله لا بنفوسهم، فغاية المحبِّ أنّ يرضى بأحكام محبوبه عليه، ساءته أم سرَّته، حتّى تبلغ بأحدهم هذه الحال إلى أن ينشد١:

أحبُّك لا أحبُّك للثوابولكنِّي أحبُّك للعقابِ
وكلُّ مآربي قد نلت منهاسوى ملذوذ وجدي بالعذاب

ولو كان نفسُ تلذُّذِه بالعذاب مقصوده من العذاب لكان أيضًا واقفًا مع حظِّه، ولكن أراد أنَّ رضاه بمراد محبوبه منه ــ ولو كان عذابَه ــ لم يدَعْ فيه للرجاء موضعًا ولا للخوف، بل يقول: أنا أحبُّ ما تريده بي، ولو أنه عذابي. وقد كشف بعض المغرورين عن هذا بقوله:

وتعذيبي مع الهجران عنديأحبُّ إليّ من طيب الوصال
لأنِّي في الوصال عُبيد حظِّيوفي الهجران عبدٌ للموالي

فأخبر أنَّ التعذيب بالهجران أحبُّ إليه من طيب الوصال لكون الوصال فيه ما تشتهيه النفس، وأمَّا التعذيب فليس فيه للنفس مقصود.

ثمَّ أخبر٢ أنَّه لم يأت في القرآن والسُّنّة إلا لفائدةٍ واحدةٍ، وهي تبريده لحرارة الخوف حتَّى لا يفضي بصاحبه إلى الإياس.

فهذا وجه كلامه، وحملُه على أحسن محامله.

  1. (١) البيتان للحسين بن منصور الحلَّاج، كما في «تاريخ بغداد» (٨/ ٦٩٤). وانظر: «شرح ديوان الحلاج» لكامل مصطفى الشيبي (ص ٤١٢).
  2. (٢) أي الهروي صاحب «المنازل».
264

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي