وأصحابُ هذه الطريق أوَّلُ طريقهم: الخروج عن نفوسهم، فضلًا عن حظوظها لأنَّهم عاملون على أن يكونوا بالله لا بنفوسهم، فغاية المحبِّ أنّ يرضى بأحكام محبوبه عليه، ساءته أم سرَّته، حتّى تبلغ بأحدهم هذه الحال إلى أن ينشد١:
ولو كان نفسُ تلذُّذِه بالعذاب مقصوده من العذاب لكان أيضًا واقفًا مع حظِّه، ولكن أراد أنَّ رضاه بمراد محبوبه منه ــ ولو كان عذابَه ــ لم يدَعْ فيه للرجاء موضعًا ولا للخوف، بل يقول: أنا أحبُّ ما تريده بي، ولو أنه عذابي. وقد كشف بعض المغرورين عن هذا بقوله:
فأخبر أنَّ التعذيب بالهجران أحبُّ إليه من طيب الوصال لكون الوصال فيه ما تشتهيه النفس، وأمَّا التعذيب فليس فيه للنفس مقصود.
ثمَّ أخبر٢ أنَّه لم يأت في القرآن والسُّنّة إلا لفائدةٍ واحدةٍ، وهي تبريده لحرارة الخوف حتَّى لا يفضي بصاحبه إلى الإياس.
فهذا وجه كلامه، وحملُه على أحسن محامله.
- (١) البيتان للحسين بن منصور الحلَّاج، كما في «تاريخ بغداد» (٨/ ٦٩٤). وانظر: «شرح ديوان الحلاج» لكامل مصطفى الشيبي (ص ٤١٢).
- (٢) أي الهروي صاحب «المنازل».