مدارج السالكين

فيقال: هذا ونحوه من الشَّطحات التي ترجى مغفرتُها بكثرة الحسنات، ويستغرقها كمالُ الصِّدق وصحَّةُ المعاملة وقوَّةُ الإخلاص وتجريدُ التوحيد، ولم تُضمن العصمة لبشرٍ بعد رسول الله ﷺ.

وهذه الشطحات أوجبت فتنةً على طائفتين من النّاس:

إحداهما: حُجِبت بها عن محاسن هذه الطائفة ولطفِ نفوسهم وصدقِ معاملاتهم، فأهدروها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها غاية الإنكار، وأساؤوا الظنَّ بهم مطلقًا. وهذا عدوان وإسراف، فلو كان كلُّ من أخطأ أو غلط تُرِك جملةً وأُهدرت محاسنُه لفسدت العلوم والصِّناعات والحِكَم، وتعطَّلت معالمها.

والطائفة الثانية: حُجبوا بما رأوه من محاسن الطائفة١، وصفاءِ قلوبهم، وصحَّة عزائمهم٢، وحسن معاملاتهم= عن رؤية عيوب شطحاتهم ونقصانها؛ فسَحَبوا عليها ذيل المحاسن، وأجروا عليها حكم القبول والانتصار لها، واستظهروا بها في سلوكهم. وهؤلاء أيضًا مُعتدون مُفرِطون.

وأهل البصيرة والإنصاف أعطَوا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، وأنزلوا كلَّ ذي منزلةٍ منزلته، فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح، بل قبلوا ما يُقبَل، وردُّوا ما يردُّ.

وهذه الشحطات ونحوها هي التي حذَّر منها سادات القوم، وذمُّوا

  1. (١) ع: «القوم».
  2. (٢) ع: «وقوة عزائمهم».
265

عاقبتها، وتبَرَّؤوا منها، حتَّى ذكر أبو القاسم القشيريُّ في «رسالته»١ أنَّ أبا سليمان الداراني رؤي بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وما كان شيء أضرَّ عليَّ من إشارات القوم.

وقال أبو القاسم٢: سمعت أبا سعيدٍ الشحَّام يقول: رأيت الأستاذ أبا سهلٍ الصُّعلوكيَّ في المنام، فقلت له: أيُّها الشّيخ، فقال: دع التَّشييخ! فقلت: وتلك الأحوال؟ فقال: لم تُغنِ عنَّا شيئًا! فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بمسائلَ كانت تسألُ عنها العُجُز٣.

وذكر٤ عن الجُرَيريِّ: أنَّه رأى الجنيد في المنام بعد موته، فقال: كيف حالك يا أبا القاسم؟ قال: طاحت تلك الإشارات، وبادت تلك العبارات، وما نفعنا إلَّا تسبيحاتٌ كنَّا نقولها بالغدوات٥.

فأمَّا قوله: (الرّجاء أضعف منازل المريدين)، فليس كذلك، بل هو من

  1. (١) (ص ٧٦٦).
  2. (٢) «الرسالة» (ص ٧٦٢).
  3. (٣) أي: العجائز.
  4. (٤) في «الرسالة» (ص ٧٦٠). وأسنده أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٥٧) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢٩٨٦) عن جعفر الخُلْدي أنه رأى تلك الرؤيا، ولفظها: «... وما نفعتنا إلا ركعات كنا نركعها عند السحر». والجُريري والخُلدي كلاهما من أصحاب الجنيد.
  5. (٥) في ع زيادة: «وقال أبو سليمان الداراني: تعرض عليَّ النُّكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلَّا بشاهدي عدلٍ: الكتاب والسُّنّة. وقال الجنيد: مذهبنا مقيّدٌ بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يُقتدى به في طريقنا. هذا إلى غير ذلك من الأقوال التي وردت عنهم ﵃». انظر لقوليهما: «القشيرية» (ص ١٣٣، ١٥٥).
266

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي