مدارج السالكين

عبادي، يتقرَّبون إليَّ بطاعتي ويرجون رحمتي ويخافون عذابي، فلماذا تدعونهم من دوني؟ فأثنى عليهم بأفضل أحوالهم ومقاماتهم من الحبِّ والخوف والرّجاء.

قوله: (لأنه معارضة من وجهٍ، واعتراض من وجهٍ)، يقال: بل هو عبوديّة وتعلُّقٌ بالله من حيث اسمُه المُحسن البَرُّ، فذلك التّعلُّق والتّعبُّد بهذا الاسم والمعرفةُ بالله هو الذي أوجب له الرجاءَ مِن حيث يدري ومن حيث لا يدري، فقوّة الرجاء على حسب قوَّة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وغلبةِ رحمته غضبَه.

ولولا رَوح الرجاء لعطِّلت عبوديّةُ القلب والجوارح، وهدِّمت صوامعُ وبِيَعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يذكر فيها اسم الله كثيرًا. بل لولا رَوح الرجاء لما تحرَّكت الجوارح بالطاعة. ولولا ريحه الطّيِّبة لما جرت سفن الأعمال في بحر الإرادات. ولي من أبياتٍ:

لولا التعلُّل١ بالرجاء تقطَّعتنفسُ المحبِّ تحسُّرًا وتمزُّقا
وكذاك لولا برده لحرارة الْـأكباد ذابت بالحجاب تحرُّقا
أيكون قطُّ حليفُ حبٍّ لا يُرىبرجائه لحبيبه متعلِّقا؟!
أم كلَّما قويت محبَّته لهقوي الرّجاء فزاد فيه تشوُّقا
لولا الرجا يحدو المطيَّ لما سرتبحمولها لديارهم ترجو اللِّقا

وعلى حسب المحبَّة وقوَّتها يكون الرجاء. وكلُّ محبٍّ راجٍ خائفٌ بالضّرورة، فهو أرجى ما يكون لحبيبه أحبَّ ما كان إليه. وكذلك خوفه، فإنّه

  1. (١) ع: «التعلُّق».
268

يخاف سقوطَه من عينه، وطردَ محبوبه له وإبعادَه، واحتجابَه عنه؛ فخوفُه أشدُّ خوفٍ.

ورجاؤه لمحبوبه ذاتيٌّ للمحبَّة، فإنَّه يرجوه قبل لقائه والوصولِ إليه، فإذا لقيه ووصل إليه اشتدَّ الرجاء له لِما يحصل به١ حياةُ روحه ونعيمُ قلبه من ألطاف محبوبه، وبرِّه وإقبالِه عليه، ونظرِه إليه بعين الرِّضا، وتأهيلِه لمحبَّته، وغيرِ ذلك ممَّا لا حياة للمحبِّ ولا نعيمَ ولا فوزَ إلا بوصوله إليه من محبوبه؛ فرجاؤه أعظم رجاءٍ وأجلُّه وأتمُّه.

فتأمَّل هذا الموضع حقَّ التّأمُّل يُطلعْك على أسرارٍ عظيمةٍ من أسرار العبودية والمحبة، فكلُّ محبة فهي مصحوبةٌ بالخوف والرجاء، وعلى قدر تمكُّنها من قلب المحبِّ يشتدُّ خوفه ورجاؤه. لكنَّ خوف المحبِّ لا تصحبه وحشة بخلاف خوف المسيء، ورجاء المحبِّ لا تصحبه علَّةٌ بخلاف رجاء الأجير، فأين رجاء المحبِّ من رجاء الأجير؟ بينهما كما بين حالَيهما.

وبالجملة: فالرجاء ضروريٌّ للمريد والسالك والعارف، ولو فارقه لحظةً لتلف أو كاد، فإنَّه دائرٌ بين ذنبٍ يرجو غفرانه، وعيبٍ يرجو صلاحه٢، وعملٍ صالحٍ يرجو قبوله، واستقامةٍ يرجو حصولها أو دوامها، وقربٍ من الله ومنزلةٍ عنده يرجو وصوله إليها؛ ولا ينفكُّ أحدٌ من السالكين عن هذه الأمور أو عن بعضها، فكيف يكون الرجاء مِن أضعف منازله وهذا حاله؟

  1. (١) في ش زيادة: «مِن».
  2. (٢) ع: «إصلاحه».
269

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي